ابن تيمية
96
المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية
والمرجئة من الشيعة والأشعرية قابلوا المعتزلة بنقيض قولهم فقالوا : لا نجزم بتعذيب أحد من أهل التوحيد ، وهذا أيضا باطل ، بل تواترت السنن بدخول أهل الكبائر النار ، وخروجهم منها بشفاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسلف الأمة وأئمتها متفقون على ما جاءت به السنن . وقد يفعل العبد من الحسنات ما يمحو الله به بعض الكبائر كما غفر للبغي بسقي الكلب ، وقوله لأهل بدر : « اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم » ولكن هذا يختلف باختلاف الحسنات ومقاديرها وبصفات الكبائر ومقاديرها ، فلا يمكن لنا أن نعين حسنة تكفر بها الكبائر كلها غير التوبة فمن أتى كبيرة ولم يتب منها ولكن أتى معها بحسنات أخر فهذا يتوقف أمره على الموازنة والمقابلة ، { فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ } [ 6 - 9 / 101 ] فلهذا كان صاحب الكبيرة تحت الخطر ما لم يتب منها ، فإذا أتى بحسنات يرجى له محو الكبيرة ، وكان بين الخوف والرجاء . والحسنة الواحدة قد يقترن بها من الصدق واليقين ما يجعلها تكفر الكبائر ، كالحديث الذي في صاحب البطاقة الذي ينشر له تسعة وتسعون سجلا كل سجل منها مد البصر ، ويؤتى ببطاقة فيها كلمة لا إله إلا الله فتوضع البطاقة في كفة والسجلات في كفة فثقلت البطاقة وطاشت السجلات وذلك لعظم ما في قلبه من الإيمان واليقين ، وإلا فلو كان كل من نطق بهذه الكلمة تكفر خطاياه لم يدخل النار من أهل الكبائر المؤمنين بل والمنافقين أحد ، وهذا خلاف ما تواترت به الآيات والسنن ، وكذلك حديث البغي ، وإلا فليس كل من سقى كلبا عطشانا يغفر له ، كما أنه قد يقترن بالسيئة من الاستخفاف والإصرار ما يعظمها فلهذا وجب التوقف في المعين ، فلا يقطع بجنة ولا نار إلا ببيان من الله ، لكن يرجى للمحسن ويخاف على المسئ .