ابن تيمية

227

المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية

لم يعلم وبين المجادلة التي مقصودها الدعاء إلى ما قد علم . والأول يدعو إلى حق مطلق ، والثاني يدعو إلى حق معين . وعلى هذا فإذا عارضه المعترض بما هو دليل عند المستدل وحده فهو في المعنى مثل النقض بمذهب المستدل ، فإن النقض معارضة في الدليل ، كما أن المعارضة المطلقة معارضة في الحكم ، وكأنه يقول : هذا الدليل الذي ذكرته موقوف باتفاق مني ومنك . أما عندك فلأنه معارض بهذا الدليل ، وأما عندي فلتخلف مدلوله في صورة النزاع ، ويقول له : هذا ليس بدليل سالم عندك ، فأنت لا تعتقد صحته ، فكيف تلزمني بمدلوله ؟ والذي يقوله المستدل في دفع هذه المعارضة يقوله المعترض في دفع الاستدلال ، ألا ترى أن المعترض لو عارض بدليل عنده أو نقض بصورة يعقدها فهما سواء ؟ وفي ذلك قولان يختار أصحابنا منعه . وأما المستدل إذا استدل بما هو دليل عند مناظره فقط فهو في الحقيقة سائل معارض لمناظره بمذهبه ، وهو سؤال وارد على مذهبه وهو استدلال على فساد أحد الأمرين إما دليله أو مذهبه ، فينبغي أن يعرف وجوه الأدلة والأسئلة ، وهذا في الحقيقة استدلال على فساد قول المنازع بما لا يستلزم صحة قول المستدل ، بمنزلة إظهار تناقضه ، وهو أحد مقاصد الجدل . قال - يعني القاضي - : لأن إلزامه يكون محتجا بما لا يقول به . ومن وجه آخر حررته أن بهذا النقض يتحقق اتفاقهما على العلة ، أما على أصل المعلل فبصورة الإلزام أما على أصل خصمه فبمحل النزاع ، وأما في غير ذلك فقد اتفقا على اطراح الأصل الملزم ، أما أحدهما فلا يراه دليلا بحال ، وأما الآخر فلأنه لما خالفه دل على أنه قد ترك لدليل عنده أقوى منه ، وإذا حصل الاتفاق على تركه ههنا بطل إلزامه وكذلك ذكر القاضي وأبو الخطاب أن للمستدل أن ينقض علة السائل لأنه تبين له أنها فاسدة عنده ، فلا يجوز أن يحتج بما هو فاسد عنده .