الشيخ المفيد

85

المسائل العشر في الغيبة

وكان من أمر يونس نبي الله عليه السلام مع قومه وفراره عنهم عند تطاوله المدة في خلافهم عليه واستخفافهم بحقوقه ، وغيبته عنهم لذلك عن كل أحد من الناس حتى لم يعلم بشر من الخلق مستقره ومكانه إلا الله تعالى ، إذ كان المتولي لحبسه في جوف الحوت في قرار بحر ، وقد أمسك عليه رمقه حتى بقي حيا ، ثم أخرجه من ذلك إلى تحت شجرة من يقطين ، بحيث لم يكن له معرفة بذلك المكان من الأرض ولم يخطر له ببال سكناه . وهذا أيضا خارج عن عادتنا ( 1 ) وبعيد من تعارفنا ، وقد نطق به القرآن ( 2 ) وأجمع عليه أهل الإسلام وغيرهم من أهل الملل والأديان . وأمر أصحاب الكهف نظير لما ذكرناه ، وقد نزل القرآن بخبرهم وشرح أمرهم ( 3 ) : في فرارهم بدينهم من قومهم وحصولهم في كهف ناء عن بلدهم ، فأماتهم الله فيه وبقي كلبهم باسطا ذراعيه بالوصيد ، ودبر أمرهم في بقاء أجسامهم على حال أجساد الحيوان لا يلحقها بالموت تغير ( 4 ) ، فكان ( 5 ) يقلبهم ذات اليمين وذات شمال كالحي الذي يتقلب ( 6 ) في منامه بالطبع والاختيار ، ويقيهم حر الشمس التي تغير الألوان ، والرياح التي تمزق الأجساد فبقوا على ذلك ثلاث مائة سنة وتسع سنين على ما جاء به الذكر الحكيم .

--> ( 1 ) ع . ل . ر : عبادتنا . ( 2 ) الصافات 37 : 139 - 146 . وراجع : قصص الأنبياء : 251 - 253 . ( 3 ) الكهف 18 : 9 - 22 . ( 4 ) ط : تغير بالموت . ( 5 ) ل . س . ط : وكان . ( 6 ) ر . س . ط : ينقلب .