الغزالي
90
المستصفى
إلا تحريم ما أحل ، وكذلك قوله تعالى : * ( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ) * ( البقرة : 601 ) فإن قيل لعله أراد به التخصيص ؟ قلنا : قد فرقنا بين التخصيص والنسخ فلا سبيل إلى تغيير اللفظ ، كيف والتخصيص لا يستدعي بدلا مثله أو خيرا منه ، وإنما هو بيان معنى الكلام . الدليل الثالث : ما اشتهر في الشرع من نسخ تربص الوفاة حولا بأربعة أشهر وعشر ، ونسخ فرض تقديم الصدقة أمام مناجاة الرسول ( ص ) حيث قال تعالى : * ( فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ) * ( المجادلة : 21 ) ومنه نسخ تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة بقوله تعالى : * ( فول وجهك شطر المسجد الحرام ) * ( البقرة : 441 ) وعلى الجملة اتفقت الأمة على إطلاق لفظ النسخ في الشرع ، فإن قيل : معناه نسخ ما في اللوح المحفوظ إلى صحف الرسل والأنبياء وهو بمعنى نسخ الكتاب ونقله ؟ قلنا : فإذا شرعنا منسوخ كشرع من قبلنا ، وهذا اللفظ كفر بالاتفاق كيف وقد نقلنا من قبلة إلى قبلة ، ومن عدة إلى عدة ، فهو تغيير وتبديل ورفع قطعا . الفصل الثالث : في مسائل تتشعب عن النظر في حقيقة النسخ وهي ست مسائل - مسألة ( هل ينسخ الامر ؟ ) يجوز عندنا نسخ الامر قبل التمكن من الامتثال ، خلافا للمعتزلة ، وصورته أن يقول الشارع في رمضان ، حجوا في هذه السنة ، ثم يقول قبل يوم عرفة : لا تحجوا فقد نسخت عنكم الامر ، أو يقول : إذبح ولدك فيبادر إلى إحضار أسبابه ، فيقول : قبل ذبحه لا تذبح فقد نسخت عنك الامر ، لان النسخ عندنا رفع للامر أي لحكم الامر ومدلوله ، وليس بيانا لخروج المنسوخ عن لفظ الامر ، بخلاف التخصيص ، فلو قال : صلوا أبدا ، فيجوز أن ينسخ بعد سنة وجوب في المستقبل ، لا بمعنى أنه لم يقصد باللفظ الأول الدلالة على جميع الأزمان ، ولكن بمعنى قطع حكم اللفظ بعد دوامه ، إذ كان دوامه مشروطا بعدم النسخ ، فكل أمر مضمن بشرط أن لا ينسخ ، فكأنه يقول : صلوا أبدا ما لم أنهكم ، ولم أنسخ عنكم أمري ، وإذا كان كذلك ، عقل نسخ الحج قبل عرفة ، ونسخ الذبح قبل فعله ، لان الامر قبل التمكن حاصل ، وإن كان أمرا بشرط التمكن ، لان الامر بالشرط ثابت ، ولذلك يعلم المأمور كونه مأمورا قبل التمكن من الامتثال ، ولما لم تفهم المعتزلة هذا أنكروا ثبوت الامر بالشرط كما سيأتي فساد مذهبهم في كتاب ( الأوامر ) وأقرب دليل على فساده أن المصلي ينوي الفرض ، وامتثال الامر في ابتداء الصلاة ، وربما يموت في أثنائها وقبل تمام التمكن ، ولو مات قبل لم يتبين أنه لم يكن مأمورا ، بل نقول : كان مأمورا بأمر مقيد بشرط ، والامر المقيد بالشرط ثابت في الحال وجد الشرط أو لم يوجد ، وهم يقولون : إذا لم يوجد الشرط علمنا انتفاء الامر من أصله ، وإنا كنا نتوهم وجوبه ، فبأن أنه لم يكن ، فهذه المسألة فرع لتلك المسألة ، ولذلك أحالت المعتزلة النسخ قبل التمكن وقالوا أيضا : إنه يؤدي إلى أن يكون الشئ الواحد في وقت واحد على وجه واحد مأمورا منهيا حسنا قبيحا مكروها مرادا مصلحة مفسدة ، وجميع ما يتعلق بالحسن والقبح والصلاح والفساد قد أبطلناه ، ولكن يبقى لهم مسلكان : المسلك الأول أن الشئ الواحد في وقت واحد كيف يكون منهيا عنه ومأمورا به على وجه واحد ؟ وفي الجواب عنه طريقتان : الأولى : إنا لا نسلم أنه منهي عنه