الغزالي

91

المستصفى

على الوجه الذي هو مأمور به ، بل على وجهين ، كما ينهى عن الصلاة مع الحدث ويؤمر بها مع الطهارة ، وينهى عن السجود للصنم ويؤمر بالسجود لله عز وجل لاختلاف الوجهين ، ثم اختلفوا في كيفية اختلاف الوجهين فقال قوم : هو مأمور بشرط بقاء الامر منهي عنه عند زوال الامر ، فهما حالتان مختلفتان ، ومنهم من أبدل لفظ بقاء الامر بانتفاء النهي أو بعدم المنع ، والألفاظ متقاربة ، وقال قوم : هو مأمور بالفعل في الوقت المعين ، بشرط أن يختار الفعل والعزم ، وإنما ينهى عنه إذا علم أنه لا يختاره ، وجعلوا حصول ذلك في علم الله تعالى بشرط هذا النسخ ، وقال قوم : يأمر بشرط كونه مصلحة ، وإنما يكون مصلحة مع دوام الامر ، أما بعد النهي فيخرج عن كونه مصلحة ، وقال قوم : إنما يأمر في وقت يكون الامر مصلحة ثم يتغير الحال فيصير النهي مصلحة ، وأنما يأمر الله تعالى به مع علمه بأن إيجابه مصلحة مع دوام الامر ، أما بعد النهي فيخرج عن كونه مصلحة ، وقال قوم : إنما يأمر الله به مع العلم بأن الحال ستتغير ، ليعزم المكلف على فعله إن بقيت المصلحة في الفعل ، وكل هذا متقارب ، وهو ضعيف ، لان الشرط ما يتصور أن يوجد ، وأن لا يوجد ، فإما ما لا بد منه فلا معنى لشرطيته ، والمأمور لا يقع مأمورا إلا عند دوام الامر وعدم النهي ، فكيف يقول : آمرك بشرط أن لا أنهاك ، فكأنه يقول : آمرك بشرط أن آمرك ، وبشرط أن يتعلق الامر بالمأمور ، وبشرط أن يكون الفعل المأمور به حادثا أو عرضا أو غير ذلك مما لا بد منه ، فهذا لا يصلح للشرطية ، وليس هذا كالصلاة مع الحدث والسجود للصنم ، فإن الانقسام يتطرق إليه ، ومن رغب في هذه الطريقة فأقرب العبارات أن يقول : الامر بالشئ قبل وقته يجوز أن يبقى حكمه على المأمور إلى وقته ، ويجوز أن يزال حكمه قبل وقته ، فيجوز أن يجعل بقاء حكمه شرطا في الامر فيقال : إفعل ما أمرتك به إن لم يزل حكم أمري عنك بالنهي عنه ، فإذا نهى عنه كان قد زال حكم الامر فليس منهيا على الوجه الذي أمر به . الطريقة الثانية : أنا لا نلتزم إظهار اختلاف الوجه ، لكن نقول : يجوز أن يقول : ما أمرناك أن تفعله على وجه فقد نهيناك عن فعله على ذلك الوجه ولا استحالة فيه ، إذ ليس المأمور حسنا في عينه ، أو لوصف هو عليه قبل الامر به حتى يتناقض ذلك ، ولا المأمور مرادا حتى يتناقض أن يكون مرادا مكروها ، بل جميع ذلك من أصول المعتزلة ، وقد أبطلناها ، فإن قيل : فإذا علم الله تعالى أنه سينهى عنه فما معنى أمره بالشئ الذي يعلم انتفاءه قطعا لعلمه بعواقب الأمور ؟ قلنا : لا يصح ذلك إن كانت عاقبة أمره معلومة للمأمور ، أما إذا كان مجهولا عند المأمور معلوما عند الآمر أمكن الامر لامتحانه بالعزم والاشتغال بالاستعداد المانع له من أنواع اللهو والفساد ، حتى يعرض بالعزم للثواب ، وبتركه للعقاب ، وربما يكون فيه لطف واستصلاح ، كما سيأتي تحقيقه في كتاب الأوامر والعجب من إنكار المعتزلة ثبوت الامر بالشرط ، مع أنهم جوزوا الوعد من العالم بعواقب الأمور بالشرط وقالوا : وعد الله على الطاعة ثوابا بشرط عدم ما يحبطها من الفسق والردة ، وعلى المعصية عقابا بشرط خلوها عما يكفرها من التوبة ، والله تعالى عالم بعاقبة أمر من يموت على الردة والتوبة ، ثم شرط ذلك في وعده ، فلم يستحل أن يشرط في أمره ونهيه ، وتكون شرطيته بالإضافة إلى العبد الجاهل بعاقبة الامر فيقول : أثيبك على