الغزالي

85

المستصفى

* ( النحل : 301 ) ، وقال : أقوى الأدلة قوله تعالى : ( ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي ) * ( فصلت : 44 ) ولو كان فيه لغة العجم لما كان عربيا محضا بل عربيا وعجميا ، ولاتخذ العرب ذلك حجة وقالوا : نحن لا نعجز عن العربية ، أما العجمية فنعجز عنها ، وهذا غير مرضي عندنا إذ اشتمال جميع القرآن على كلمتين أو ثلاث أصلها عجمي ، وقد استعملتها العرب ، ووقعت في ألسنتهم لا يخرج القرآن عن كونه عربيا ، وعن إطلاق هذا الاسم عليه ، ولا يتمهد للعرب حجة فإن الشعر الفارسي يسمى فارسيا ، وإن كانت فيه آحاد كلمات عربية إذا كانت تلك الكلمات متداولة في لسان الفرس فلا حاجة إلى هذا التكلف . - مسألة ( المحكم والمتشابه في القرآن ) في القرآن محكم ومتشابه ، كما قال تعالى : * ( منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ) * ( آل عمران : 07 ) واختلفوا في معناه ، وإذا لم يرد توقيف في بيانه فينبغي أن يفسر بما يعرفه أهل اللغة ، ويناسب اللفظ من حيث الوضع ولا يناسبه قولهم : المتشابه هي الحروف المقطعة في أوائل السور ، والمحكم ما وراء ذلك ، ولا قولهم المحكم ما يعرفه الراسخون في العلم والمتشابه ما ينفرد الله تعالى بعلمه ، ولا قولهم المحكم الوعد والوعيد ، والحلال والحرام والمتشابه القصص والأمثال ، وهذا أبعد ، بل الصحيح أن المحكم يرجع إلى معنيين : أحدهما : المكشوف المعنى الذي لا يتطرق إليه إشكال واحتمال والمتشابه ما تعارض فيه الاحتمال . الثاني : أن المحكم ما انتظم وترتب ترتيبا مفيدا ما على ما ظاهر أو على تأويل ما لم يكن فيه متناقض ومختلف ، لكن هذا المحكم يقابله المثبج ، والفاسد دون المتشابه ، وأما المتشابه فيجوز أن يعبر به عن الأسماء المشتركة ، كالقرء ، وكقوله تعالى : * ( الذي بيده عقدة النكاح ) * ( البقرة : 732 ) فإنه مردد بين الزوج والولي ، وكاللمس المردد بين المس والوطئ ، وقد يطلق على ما ورد في صفات الله مما يوهم ظاهره الجهة والتشبيه ويحتاج إلى تأويله ، فإن قيل : قوله تعالى : * ( وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ) * ( آل عمران : 7 ) الواو للعطف أم الأولى الوقف على الله ؟ قلنا : كل واحد محتمل ، فإن كان المراد به وقت القيامة ، فالوقف أولى ، وإلا فالعطف ، إذ الظاهر أن الله تعالى لا يخاطب العرب بما لا سبيل إلى معرفته لاحد من الخلق ، فإن قيل : فما معنى الحروف في أوائل السور ، إذ لا يعرف أحد معناها ؟ قلنا : أكثر الناس فيها وأقربها أقاويل : أحدها : أنها أسامي السور حتى تعرف بها ، فيقال : سورة يس وطه ، وقيل : ذكرها الله تعالى لجمع دواعي العرب إلى الاستماع لأنها تخالف عادتهم فتوقظهم عن الغفلة حتى تصرف قلوبهم إلى الاصغاء فلم يذكرها لإرادة معنى ، وقيل : إنما ذكرها كناية عن سائر حروف المعجم التي لا يخرج عنها جميع كلام العرب تنبيها أنه ليس يخاطبهم إلا بلغتهم وحروفهم ، وقد ينبه ببعض الشئ على كله ، يقال قرأ سورة البقرة وأنشد " ألا هبي " يعني جميع السورة والقصيدة قال الشاعر : يناشدني حاميم والرمح شاجر * فهلا تلا حاميم قبل التقدم كنى بحاميم عن القرآن ، فقد ثبت أنه ليس في القرآن ما لا تفهمه العرب ، فإن قيل