الغزالي

86

المستصفى

العرب إنما تفهم من قوله تعالى : * ( وهو القاهر فوق عباده ) * ( الانعام : 81 ) و : * ( الرحمن على العرش استوى ) * ( طه : 5 ) الجهة والاستقرار ، وقد أريد به غيره ، فهو متشابه ؟ قلنا : هيهات فإن هذه كنايات واستعارات يفهمها المؤمنون من العرب ، المصدقون بأن الله تعالى ليس كمثله شئ ، وأنها مؤولة تأويلات تناسب تفاهم العرب . النظر الرابع في أحكامه ومن أحكامه تطرق التأويل إلى ظاهر ألفاظه وتطرق التخصيص إلى صيغ عمومه ، وتطرق النسخ إلى مقتضياته ، أما التخصيص والتأويل فسيأتي في القطب الثالث إذا فصلنا وجوه الاستثمار والاستدلال من الصيغ والمفهوم وغيرها ، وأما النسخ فقد جرت العادة بذكره بعد كتاب الاخبار ، لان النسخ يتطرق إلى الكتاب والسنة جميعا ، لكنا ذكرناه في أحكام الكتاب لمعنيين : أحدهما : إن إشكاله وغموضه من حيث تطرقه إلى كلام الله تعالى مع استحالة البداءة عليه . الثاني : إن الكلام على الاخبار قد طال لأجل تعلقه بمعرفة طرقها من التواتر والآحاد ، فرأينا ذكره على أثر أحكام الكتاب أولى . وهذا : كتاب النسخ والنظر في حده وحقيقته ثم في إثباته على منكريه ، ثم في أركانه وشروطه وأحكامه فنرسم فيه أبوابا الباب الأول : في حده وحقيقته وإثباته أما حده : فاعلم أن النسخ عبارة عن الرفع والإزالة في وضع اللسان ، يقال : نسخت الشمس الظل ، ونسخت الريح الآثار إذا أزالتها ، وقد يطلق لإرادة نسخ الكتاب ، فهو مشترك ، ومقصودنا النسخ الذي هو بمعنى الرفع والإزالة فنقول : حده أنه الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتا به مع تراخيه عنه ، وإنما آثرنا لفظ الخطاب على لفظ النص ليكون شاملا للفظ والفحوى والمفهوم وكل دليل ، إذ يجوز النسخ بجميع ذلك ، وإنما قيدنا الحد بالخطاب المتقدم ، لان ابتداء إيجاب العبادات في الشرع مزيل حكم العقل من براءة الذمة ، ولا يسمى نسخا ، لأنه لم يزل حكم خطاب ، وإنما قيدنا بارتفاع الحكم ، ولم نقيد بارتفاع الأمر والنهي ليعم جميع أنواع الحكم ، من الندب والكراهة والإباحة ، فجميع ذلك قد ينسخ ، وإنما قلنا : لولاه لكان الحكم ثابتا به ، لان حقيقة النسخ الرفع ، فلو لم يكن هذا ثابتا لم يكن هذا رافعا ، لأنه إذا ورد أمر بعبادة موقتة وأمر بعبادة أخرى بعد تصرم ذلك الوقت لا يكون الثاني نسخا ، فإذا قال : * ( ثم أتموا الصيام إلى الليل ) * ( البقرة : 781 ) ، ثم قال : في الليل لا تصوموا ، لا يكون ذلك نسخا بل الرافع ما لا يرتفع الحكم لولاه ، وإنما قلنا : مع تراخيه عنه ، لأنه لو اتصل به لكان بيانا وإتماما لمعنى الكلام وتقديرا له بمدة أو شرط ، وإنما يكون رافعا إذا ورد بعد أن ورد الحكم واستقر بحيث يدوم لولا الناسخ . وأما الفقهاء فإنهم لم يعقلوا الرفع لكلام الله تعالى فقالوا في حد النسخ : أنه الخطاب الدال الكاشف عن مدة العبادة أو عن زمن انقطاع العبادة ، وهذا يوجب أن يكون قوله : صم بالنهار