الغزالي
77
المستصفى
الاسم مجازا أولى من مخالفة الاجماع إذ لا خلاف أنه لو ماتت الحائض لم تكن عاصية فكيف تؤمر بما تعصي به لو فعلته وليس الحيض كالحدث ، فإن إزالته تمكن ، فإن قيل فلم تنوي قضاء رمضان ؟ قلنا : إن عينت بذلك أنها تنوي قضاء ما منع الحيض من وجوبه فهو كذلك ، وإن عنيت أنه قضاء لما وجب عليها في حالة الحيض فهو خطأ ومحال ، فإن قيل : فلينو البالغ القضاء لما فات في حالة الصغر ، قلنا : لو أمر بذلك لنواه ولكن لم يجعل فوات الايجاب بالصبا سببا لايجاب فرض مبتدأ بعد البلوغ ، كيف والمجاز إنما يحسن بالاشتهار ، وقد اشتهر ذلك في الحيض دون الصبا ، ولعل سبب اختصاص اشتهاره أن الصبا يمنع أصل التكليف ، والحائض مكلفة فهي بصدد الايجاب الحالة الثالثة : حالة المريض والمسافر إذا لم يجب عليهما ، لكنهما إن صاما وقع عن الفرض ، فهذا يحتمل أن يقال أنه مجاز أيضا ، إذ لا وجوب ، ويحتمل أن يقال : إنه حقيقة ، إذ فعله في الوقت لصح منه ، فإذا أخل بالفعل مع صحته فعله فهو شبيه بمن وجب عليه وتركه سهوا أو عمدا أو نقول : قال الله تعالى : * ( فعدة من أيام أخر ) * ( البقرة : 481 - 581 ) فهو على سبيل التخيير ، فكان الواجب أحدهما لا بعينه ، إلا أن هذا البدل لا يمكن إلا بعد فوات الأول ، والأول سابق بالزمان فسمي قضاء لتعلقه بفواته ، بخلاف العتق والصيام في الكفارة إذ لا يتعلق أحدهما بفوات الآخر ، ولكن يلزم على هذا أن تسمى الصلاة في آخر الوقت قضاء ، لأنه مخير بين التقديم والتأخير ، كالمسافر ، والأظهر أن تسمية صوم المسافر قضاء مجاز ، أو القضاء اسم مشترك بين ما فات أداؤه الواجب وبين ما خرج عن وقته المشهور المعروف به ، ولرمضان خصوص نسبة إلى الصوم ليس ذلك لسواه ، بدليل أن الصبي المسافر لو بلغ بعد رمضان لا يلزمه ، ولو بلغ في آخر وقت الصلاة لزمته فإخراجه عن مظنة أدائه في حق العموم يوهم كونه قضاء ، والذي يقتضيه التحقيق أنه ليس بقضاء ، فإن قيل : فالنائم والناسي يقضيان ولا خطاب عليهما ، لأنهما لا يكلفان ؟ قلنا : هما منسوبان إلى الغفلة والتقصير ، ولكن الله تعالى عفا عنهما وحط عنهما المأثم بخلاف الحائض والمسافر ، ولذلك يجب عليهما الامساك بقية النهار تشبها بالصائمين دون الحائض ، ثم في المسافر مذهبان ضعيفان : أحدهما : مذهب أصحاب الظاهر ، أن المسافر لا يصح صومه في السفر ، لقوله تعالى : * ( فعدة من أيام أخر ) * ( البقرة : 481 - 581 ) فلم يأمره إلا بأيام أخر ، وهو فاسد ، لان سياق الكلام يفهمنا إضمار الافطار ، ومعناه : من كان منكم مريضا أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر ، كقوله تعالى : * ( فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه ) * ( البقرة : 06 ) ، يعني فضرب فانفجرت ، ولان أصحاب رسول الله ( ص ) في السفر كانوا يصومون ويفطرون ولا يعترض بعضهم على بعض . والثاني : مذهب الكرخي أن الواجب أيام أخر ، ولكن لو صام رمضان صح ، وكان معجلا للواجب كمن قدم الزكاة على الحول وهو فاسد لان الآية لا تفهم إلا الرخصة في التأخير وتوسيع الوقت عليه ، والمؤدي في أول الوقت الموسع غير معجل بل هو