الغزالي
78
المستصفى
مؤد في وقته ، كما سبق في الصلاة في أول الوقت . الحالة الرابعة : حال المريض ، فإن كان لا يخشى الموت في الصوم فهو كالمسافر أما الذي يخشى الموت أو الضرر العظيم فيعصي بترك الاكل فيشبه الحائض من هذا الوجه ، فلو صام يحتمل أن يقال : لا ينعقد لأنه عاص به فكيف يتقرب بما يعصي به ، ويحتمل أن يقال : إنما عصي بجنايته على الروح التي هي حق الله تعالى ، فيكون كالمصلي في الدار المغصوبة ، يعصي لتناوله حق الغير ، ويمكن أن يقال : قد قيل للمريض كل ، فكيف يقال له : لا تأكل وهو معنى الصوم ، بخلاف الصلاة والغصب ، ويمكن أن يجاب بأنه قيل له : لا تهلك نفسك ، وقيل له صم ، فلم يعص من حيث أنه صائم ، بل من حيث سعيه في الهلاك ، ويلزم عليه صوم يوم النحر ، فإنه نهي عنه لترك إجابة الدعوة إلى أكل القرابين والضحايا ، وهي ضيافة الله تعالى ، ويعسر الفرق بينهما جدا ، فهذه احتمالات يتجاذبها المجتهدون ، فإن قلنا : لا ينعقد صومه ، فتسمية تداركه قضاء مجاز محض ، كما في حق الحائض ، وإلا فهو كالمسافر . الفصل الرابع : في العزيمة والرخصة اعلم أن العزم عبارة عن القصد المؤكد : قال الله تعالى : * ( ( 20 ) فنسي ولم نجد له عزما ) * ( طه : 511 ) أي قصدا بليغا ، وسمي بعض الرسل أولي العزم ، لتأكيد قصدهم في طلب الحق ، والعزيمة في لسان حملة الشرع عبارة عما لزم العباد بإيجاب الله تعالى ، والرخصة في اللسان عبارة عن اليسر والسهولة ، يقال : رخص السعر إذا تراجع وسهل الشراء ، وفي الشريعة عبارة عما وسع للمكلف في فعله لعذر وعجز عنه مع قيام السبب المحرم ، فإن لم يوجبه الله تعالى علينا من صوم شوال وصلاة الضحى لا يسمى رخصة ، وما أباحه في الأصل من الأكل والشرب لا يسمى رخصة ، ويسمى تناول الميتة رخصة ، وسقوط صوم رمضان عن المسافر يسمى رخصة ، وعلى الجملة فهذا الاسم يطلق حقيقة ومجازا فالحقيقة في الرتبة العليا كإباحة النطق بكلمة الكفر بسبب الاكراه ، وكذلك إباحة شرب الخمر ، وإتلاف مال الغير بسب الاكراه ، والمخمصة والغصص بلقمة لا يسيغها إلا الخمر التي معه ، وأما المجاز البعيد عن الحقيقة فتسمية ما حط عنا من الاصر والأغلال التي وجبت على من قبلنا في الملل المنسوخة رخصة ، وما لم يجب علينا ولا على غيرنا لا يسمى رخصة ، وهذا لما أوجب على غيرنا ، فإذا قابلنا أنفسنا به حسن إطلاق اسم الرخصة تجوزا فإن الايجاب على غيرنا ليس تضييقا في حقنا ، والرخصة فسحة في مقابلة التضييق ، ويتردد بين هاتين الدرجتين صور بعضها أقرب إلى الحقيقة وبعضها أقرب إلى المجاز ، منها : القصر والفطر في حق المسافر ، وهو جدير بأن يسمى رخصة حقيقة ، لان السبب هو شهر رمضان ، وهو قائم ، وقد دخل المسافر تحت قوله تعالى : * ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) * ( البقرة : 581 ) وأخرج عن العموم بعذر وعسر ، أما التيمم عند عدم الماء فلا يحسن تسميته رخصة ، لأنه لا يمكن تكليف استعمال الماء مع عدمه ، فلا يمكن أن يقال : السبب قائم مع استحالة التكليف ، بخلاف المكره على الكفر والشرب ، فإنه قادر على الترك ، نعم : تجويز ذلك عند المرض أو الجراحة أو بعد الماء عنه أو بيعه بأكثر من ثمن المثل رخصة ، بل التيمم عند فقهاء الماء ، كالاطعام عند فقد الرقبة ، وذلك ليس برخصة ، بل أوجبت