الغزالي
68
المستصفى
أما ثبوت الاحكام بأفعاله في النوم والغفلة فلا ينكر ، كلزوم الغرامات وغيرها ، وكذلك تكليف السكران الذي لا يعقل محال ، كتكليف الساهي والمجنون والذي يسمع ولا يفهم ، بل السكران أسوأ حالا من النائم الذي يمكن تنبيهه ، ومن المجنون الذي يفهم كثيرا من الكلام ، وأما نفوذ طلاقه ولزوم الغرم فذلك من قبيل ربط الاحكام بالأسباب ، وذلك مما لا ينكر ، فإن قيل : فقد قال الله تعالى : * ( في ) * ( النساء : 34 ) ، وهذا خطاب للسكران قلنا إذا ثبت بالبرهان استحالة خطابه وجب تأويل الآية ، ولها تأويلان : أحدهما أنه خطاب مع المنتشي الذي ظهر فيه مبادئ النشاط والطرب ، ولم يزل عقله ، فإنه قد يستحسن من اللعب والانبساط ما لا يستحسنه قبل ذلك ولكنه عاقل . وقوله تعالى : * ( حتى تعلموا ما تقولون ) * ( النساء : 34 ) معناه : حتى تتبينوا ويتكامل فيكم ثباتكم ، كما يقال للغضبان ، إصبر حتى تعلم ما تقول : أي حتى يسكن غضبك فيكمل علمك ، وإن كان أصل عقله باقيا ، وهذا لأنه لا يشتغل بالصلاة ، مثل هذا السكران ، وقد يعسر عليه تصحيح مخارج الحروف وتمام الخشوع . الثاني : أنه ورد الخطاب به في ابتداء الاسلام قبل تحريم الخمر ، وليس المراد المنع من الصلاة ، بل المنع من إفراط الشرب في وقت الصلاة ، كما يقال : لا تقرب التهجد وأنت شبعان ، ومعناه : لا تشبع فيثقل عليك التهجد . - مسألة ( أمر الله تعالى في الأزل ) فإن قال قائل : ليس من شرط الامر عندكم كون المأمور موجودا إذ قضيتم بأن الله تعالى آمر في الأزل لعباده قبل خلقهم ، فكيف شرطتم كون المكلف سميعا عاقلا ، والسكران والناسي والصبي والمجنون أقرب إلى التكليف من المعدوم ؟ قلنا : ينبغي أن يفهم معنى قولنا إن الله تعالى آمر وإن المعدوم مأمور فإنا نعني به أنه مأمور على تقدير الوجود ، لا أنه مأمور في حالة العدم ، إذ ذلك محال ، لكن أثبت الذاهبون إلى إثبات كلام النفس أنه لا يبعد أن يقوم بذات الأب طلب تعلم العلم من الولد الذي سيوجد ، وإنه لو قدر بقاء ذلك الطلب حتى وجد الولد صار الولد مطالبا بذلك الطلب ومأمورا به ، فكذلك المعنى القائم بذات الله تعالى الذي هو اقتضاء الطاعة من العباد قديم ، تعلق بعباده على تقدير وجودهم فإذا وجدوا صاروا مأمورين بذلك الاقتضاء ، ومثل هذا جار في حق الصبي والمجنون ، فإن انتظار العقل لا يزيد على انتظار الوجود ، ولا يسمى هذا المعنى في الأزل خطابا ، إنما يصير خطابا إذا وجد المأمور وأسمع ، وهل يسمى أمرا ؟ فيه خلاف ، والصحيح أنه يسمى به ، إذ يحسن أن يقال فيمن أوصى أولاده بالتصدق بماله أن يقال : فلان أمر أولاده بكذا ، وإن كان بعض أولاده مجتنا في البطن ، أو معدوما ، ولا يحسن أن يقال : خاطب أولاده إلا إذا حضروا وسمعوا ثم إذا أوصى فنفذوا وصيته ، يقال : قد أطاعوه وامتثلوا أمره ، مع أن الآمر الآن معدوم ، والمأمور كان وقت وجود الآمر معدوما ، وكذلك نحن الآن بطاعتنا ممتثلون أمر رسول الله ( ص ) ، وهو معدوم عن عالمنا هذا ، وإن كان حيا عند الله تعالى ، فإذا لم يكن وجود الآمر شرطا لكون المأمور مطيعا ممتثلا ، فلم يشترط وجود المأمور ، لكون الامر أمرا . فإن قيل : أفتقولون إن الله تعالى في الأزل آمر للمعدوم على وجه الالزام ؟ قلنا : نعم ، نحن نقول : هو آمر ، لكن على تقدير الوجود ، كما يقال : الوالد موجب وملزم على أولاده التصدق إذا عقلوا وبلغوا