الغزالي

69

المستصفى

فيكون الالزام والايجاب حاصلا ، ولكن بشرط الوجود والقدرة . ولو قال لعبده : صم غدا ، فقد أوجب وألزم في الحال صوم الغد ، ولا يمكن صوم الغد في الوقت ، بل في الغد ، وهو موصوف بأنه ملزم وموجب في الحال . الركن الرابع : المحكوم فيه ، وهو الفعل ، إذ لا يدخل تحت التكليف إلا الأفعال الاختيارية ، وللداخل تحت التكليف شروط : الأول : صحة حدوثه ، لاستحالة تعلق الامر بالقديم والباقي ، وقلب الأجناس والجمع بين الضدين وسائر المحالات التي لا يجوز التكليف بها عند من يحيل تكليف ما لا يطاق ، فلا أمر إلا بمعدوم يمكن حدوثه ، وهل يكون الحادث في أول حال حدوثه مأمورا به كما كان قبل الحدوث ، أو يخرج عن كونه مأمورا كما في الحالة الثانية من الوجود ؟ اختلفوا فيه ، وفيه بحث كلامي لا يليق بمقاصد أصول الفقه ذكره . الثاني : جواز كونه مكتسبا للعبد حاصلا باختياره ، إذ لا يجوز تكليف زيد كتابة عمرو وخياطته ، وإن كان حدوثه ممكنا ، فليكن مع كونه ممكنا مقدورا للمخاطب . الثالث : كونه معلوما للمأمور معلوم التمييز عن غيره حتى يتصور قصده إليه ، وأن يكون معلوما كونه مأمورا به من جهة الله تعالى ، حتى يتصور منه قصد الامتثال ، وهذا يختص بما يجب فيه قصد الطاعة والتقرب ، فإن قيل : فالكافر مأمور بالايمان بالرسول عليه السلام وهو لا يعلم أنه مأمور به ؟ قلنا : الشرط لا بد أن يكون معلوما أو في حكم المعلوم ، بمعنى أن يكون العلم ممكنا بأن تكون الأدلة منصوبة والعقل والتمكن من النظر حاصلا ، حتى أن ما لا دليل عليه أو من لا عقل له مثل الصبي والمجنون لا يصح في حقه . الرابع : أن يكون بحيث يصح إرادة إيقاعه طاعة وهو أكثر العبادات ، ويستثنى من هذا شيئان : أحدهما : الواجب الأول ، وهو النظر المعرف للوجوب ، فإنه لا يمكن قصد إيقاعه طاعة وهو لا يعرف وجوبه إلا بعد الاتيان به ، والثاني : أصل إرادة الطاعة والاخلاص ، فإنه لو افتقرت إلى إرادة لافتقرت الإرادة إلى إرادة ولتسلسل ويتشعب عن شروط الفعل خمس مسائل . - مسألة ( هل المكلف به ممكن الحدوث ؟ ) ذهب قوم إلى أن كون المكلف به ممكن الحدوث ليس بشرط ، بل يجوز تكليف ما لا يطاق ، والامر بالجمع بين الضدين ، وقلب الأجناس وإعدام القديم ، وإيجاد الموجود ، وهو المنسوب إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري رحمه الله ، وهو لازم على مذهبه من وجهين : أحدهما : أن القاعدة عنده غير قادر على القيام إلى الصلاة ، لان الاستطاعة عنده مع الفعل لا قبله ، وإنما يكون مأمورا قبله . والآخر : أن القدرة الحادثة لا تأثير لها في إيجاد المقدور بل أفعالنا حادثة بقدرة الله تعالى واختراعه ، فكل عبد هو عنده مأمور بفعل الغير واستدل على هذا بثلاثة أشياء : أحدها : قوله تعالى : * ( ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ) * ( البقرة : 286 ) والمحال لا يسأل دفعه ، فإنه مندفع بذاته ، وهو ضعيف ، لان المراد به ما يشق ويثقل علينا ، إذ من أتعب بالتكليف بأعمال تكاد تفضي إلى هلاكه لشدتها كقوله : اقتلوا أنفسكم أو أخرجوا من دياركم ، فقد يقال : حمل ما لا طاقة له به ، فالظاهر المؤول ضعيف الدلالة في القطعيات . الثاني : قولهم أن الله تعالى أخبر أن أبا جهل لا يصدق وقد كلفه الايمان ، ومعناه أن يصدق محمدا فيما جاء به ومما جاء به أنه لا يصدقه ، فكأنه أمره أن يصدقه في أن لا يصدقه وهو