الغزالي
63
المستصفى
الصلاة من الذكر والقراءة ، وما لا يزاحم حق المغصوب منه ، فإن الأكوان هي التي تتناول منافع الدار ، ثم كيف يستقيم من المعتزلة هذا ، وعندهم لا يعلم المأمور كونه مأمورا ، ولا كون العبادة واجبة قبل الفراغ من الامتثال كما سيأتي ، فكيف ينوي التقرب بالواجب وهو لا يعرف وجوبه ؟ الجواب الثاني : وهو الأصح ، أنه ينوي التقرب بالصلاة ويعصي بالغصب ، وقد بينا انفصال أحدهما عن الآخر ، ولذلك يجد المصلي من نفسه نية التقرب بالصلاة ، وإن كان في دار مغصوبة ، لأنه لو سكن ولم يفعل فعلا لكان غاصبا في حالة النوم ، وعدم استعمال القدرة ، وإنما يتقرب بأفعاله ، وليست تلك الأفعال شرطا لكونه غاصبا ، فإن قيل : هو في حالة القعود والقيام غاصب بفعله ، ولا فعل له إلا قيامه وقعوده وهو متقرب بفعله ، فيكون متقربا بعين ما هو عاص به ؟ قلنا : هو من حيث أنه مستوف منافع الدار غاصب ، ومن حيث أنه أتى بصورة الصلاة متقرب ، كما ذكرناه في صورة الخياطة ، إذ قد يعقل كونه غاصبا ، ولا يعلم كونه مصليا ، ويعلم كونه مصليا ، ولا يعلم كونه غاصبا ، فهما وجهان مختلفان ، وإن كان ذات الفعل واحدا . الجواب الثالث : هو أنا نقول : بم تنكرون على القاضي رحمه الله حيث حكم بأن الفرض يسقط عندها لا بها بدليل الاجماع ؟ فسلم أنه معصية ، ولكن الامر لا يدل على الاجزاء إذا أتى بالمأمور ولا النهي يدل على عدم الاجزاء ، بل يؤخذ الاجزاء من دليل آخر كما سيأتي . فإن قيل : هذه المسألة اجتهادية أم قطعية ؟ قلنا : هي قطعية ، والمصيب فيها واحد ، لان من صحح ، أخذ من الاجماع ، وهو قاطع ، ومن أبطل أخذ من التضاد الذي بين القربة والمعصية ، ويدعى كون ذلك محالا ، بدليل العقل ، فالمسألة قطعية ، فإن قيل : ادعيتم الاجماع في هذه المسألة ، وقد ذهب أحمد بن حنبل إلى بطلان هذه الصلاة ، وبطلان كل عقد منهي عنه حتى البيع في وقت النداء يوم الجمعة ، فكيف تحتجون عليه بالاجماع ؟ قلنا : الاجماع حجة عليه ، إذ علمنا أن الظلمة لم يؤمروا بقضاء الصلوات مع كثرة وقوعها ، مع أنهم لو أمروا به لانتشر وإذا أنكر هذا فيلزمه ما هو أظهر منه ، وهو أن لا تحل امرأة لزوجها وفي ذمته دانق ظلم به ، ولا يصح بيعه ولا صلاته ولا تصرفاته ، وأنه لا يحصل التحليل بوطئ من هذه حاله ، لأنه عصى بترك رد المظلمة ، ولم يتركها إلا بتزويجه ، وبيعه وصلاته وتصرفاته ، فيؤدي إلى تحريم أكثر النساء ، وفوات أكثر الاملاك ، وهو خرق للاجماع قطعا ، وذلك لا سبيل إليه . - مسألة ( المكروه غير الواجب ) كما يتضاد الحرام والواجب فيتضاد المكروه والواجب ، فلا يدخل مكروه تحت الامر حتى يكون شئ واحد مأمورا به مكروها ، إلا أن تنصرف الكراهية عن ذات المأمور إلى غيره ، ككراهية الصلاة في الحمام وأعطان الإبل وبطن الوادي وأمثاله ، فإن المكروه في بطن الوادي التعرض لخطر السيل ، وفي الحمام التعرض للرشاش ، أو لتخبط الشياطين ، وفي أعطان الإبل التعرض لنفارها ، وكل ذلك مما يشغل القلب في الصلاة ، وربما شوش الخشوع ، بحيث لا ينقدح صرف الكراهة عن المأمور إلى ما هو في جواره وصحبته ، لكونه خارجا عن ماهيته وشروطه وأركانه ، فلا يجتمع الامر والكراهية ، فقوله تعالى : * ( وليطوفوا بالبيت العتيق ) * ( الحج : 92 ) لا يتناول طواف المحدث الذي نهي عنه لان المنهي عنه لا يكون مأمورا به ، والمنهي عنه في مسألة الصلاة في الدار المغصوبة انفصل