الغزالي
64
المستصفى
عن المأمور ، إذ المأمور به الصلاة والمنهي عنه الغصب وهو في جواره . مسألة ( أصناف الترك ذات المتروك ) المتفقون على صحة الصلاة في الدار المغصوبة ينقسم النهي عندهم إلى ما يرجع إلى ذات المنهي عنه فيضاد وجوبه ، وإلى ما يرجع إلى غيره فلا يضاد وجوبه ، وإلى ما يرجع إلى وصف المنهي عنه لا إلى أصله ، وقد اختلفوا في هذا القسم الثالث ، ومثال القسمين الأولين ظاهر ، ومثال القسم الثالث : أن يوجب الطواف وينهى عن إيقاعه مع الحدث ، أو يأمر بالصوم وينهى عن إيقاعه في يوم النحر ، فيقال : الصوم من حيث أنه صوم مشروع مطلوب ، ومن حيث أنه واقع في هذا اليوم غير مشروع ، والطواف مشروع بقوله تعالى : * ( وليطوفوا بالبيت العتيق ) * ( الحج : 92 ) ولكن وقوعه في حالة الحدث مكروه ، والبيع من حيث أنه بيع مشروع ، ولكن من حيث وقوعه مقترنا بشرط فاسد أو زيادة في العوض في الربويات مكروه ، والطلاق من حيث أنه طلاق مشروع ، ولكن من حيث وقوعه في الحيض مكروه ، وحراثة الولد من حيث أنها حراثة مشروعة ، ولكنها من حيث وقوعها في غير المنكوحة مكروهة ، والسفر من حيث أنه سفر مشروع ، ولكن من حيث قصد الإباق به عن السيد غير مشروع ، فجعل أبو حنيفة هذا قسما ثالثا ، وزعم أن ذلك يوجب فساد الوصف لا انتفاء الأصل ، لأنه راجع إلى الوصف لا إلى الأصل ، والشافعي رحمه الله ألحق هذا بكراهة الأصل ولم يجعله قسما ثالثا ، وحيث نفذ الطلاق في الحيض صرف النهي عن أصله ووصفه إلى تطويل العدة أولو حق الندم عند الشك في الولد ، وأبو حنيفة حيث أبطل صلاة المحدث دون طواف المحدث زعم أن الدليل قد دل على كون الطهارة شرطا في الصلاة ، فإنه قال عليه الصلاة والسلام : لا صلاة إلا بطهور فهو نفي للصلاة لا نهي ، وفي المسألة نظران : أحدهما : في موجب مطلق النهي من حيث اللفظ ، وذلك نظر في مقتضى الصيغة ، وهو بحث لغوي نذكره في كتاب الأوامر والنواهي . والنظر الثاني : نظر في تضاد هذه الأوصاف وما يعقل اجتماعه وما لا يعقل إذا وقع التصريح به من القائل وهو أنه : هل يعقل أن يقول السيد لعبده : أنا آمرك بالخياطة وأنهاك عنها ، ولا شك في أن ذلك لا يعقل منه ، فإنه فيه يكون الشئ الواحد مطلوبا مكروها ، ويعقل منه أن يقول : أنا أطلب منك الخياطة وأكره دخول هذه الدار والكون فيها ولا يتعرض في النهي للخياطة وذلك معقول ، وإذا خاط في تلك الدار أتى بمطلوبه ومكروهه جميعا ، وهل يعقل أن يقول : أطلب منك الخياطة وأنهاك عن إيقاعها في وقت الزوال ، فإذا خاط في وقت الزوال فهل جمع بين المكروه والمطلوب أو ما أتى بالمطلوب ؟ هذا في محل النظر ، والصحيح أنه ما أتى بالمطلوب ، وأن المكروه هي الخياطة الواقعة وقت الزوال لا الوقوع في وقت الزوال ، مع بقاء الخياطة مطلوبة إذ ليس الوقوع في الوقت شيئا منفصلا عن الواقع ، فإن قيل : فلم صحت الصلاة في أوقات الكراهة ولم صحت الصلاة الواقعة في الأماكن السبعة من بطن الوادي وأعطان الإبل ؟ وما الفرق بينهما وبين النهي عن صوم يوم النحر ؟ قلنا : من صحح هذه الصلوات لزمه صرف النهي عن أصل الصلاة ووصفها إلى غيره ، وقد اختلفوا في انعقاد الصلاة في الأوقات المكروهة لترددهم في أن النهي نهي عن إيقاع الصلاة من حيث أنه إيقاع صلاة أو من أمر آخر مقترن