الغزالي
59
المستصفى
قبل التكفير وقبل التعيين ، فيعلم الوجوب والطلاق على ما هو عليه من عدم التعيين مسألة ( حكم الواجب غير المعروف ) اختلفوا في الواجب الذي لا يتقدر بحد محدود ، كمسح الرأس ، والطمأنينة في الركوع والسجود ، ومدة القيام ، إنه إذا زاد على أقل الواجب هل توصف الزيادة بالوجوب ؟ فلو مسح جميع الرأس هل يقع فعله بجملته واجبا ؟ أو الواجب الأقل والباقي ندب ، فذهب قوم إلى أن الكل يوصف بالوجوب ، لان نسبة الكل إلى الامر واحد ، والامر في نفسه أمر واحد ، وهو أمر إيجاب ، ولا يتميز البعض من البعض ، فالكل امتثال ، والأولى أن يقال : الزيادة على الأقل ندب ، فإنه لم يجب إلا أقل ما ينطلق عليه الاسم ، وهذا في الطمأنينة ، والقيام وما وقع متعاقبا أظهر وكذلك المسح إذا وقع متعاقبا ، وما وقع من جملته معا وإن كان لا يتميز بعضه من بعض بالإشارة والتعيين ، فيحتمل أن يقال : قدر الأقل منه واجب ، والباقي ندب ، وإن لم يتميز بالإشارة المندوب عن الواجب ، لان الزيادة على الأقل لا عقاب على تركها مطلقا من غير شرط بدل ، فلا يتحقق فيه حد الوجوب . مسألة ( حقيقة الوجوب والجواز ) الوجوب يباين الجواز والإباحة بحده فلذلك قلنا يقضي بخطأ من ظن أن الوجوب إذا نسخ بقي الجواز ، بل الحق أنه إذا نسخ رجع الامر إلى ما كان قبل الوجوب من تحريم أو إباحة ، وصار الوجوب بالنسخ ، كأن لم يكن ، فإن قيل : كل واجب فهو جائز ، وزيادة ، إذ الجائز ما لا عقاب على فعله ، والواجب أيضا لا عقاب على فعله ، وهو معنى الجواز ، فإذا نسخ الوجوب فكأنه أسقط العقاب على تركه ، فيبقى سقوط العقاب على فعله ، وهو معنى الجواز ، قلنا : هذا كقول القائل : كل واجب فهو ندب وزيادة ، فإذا نسخ الوجوب بقي الندب ، ولا قائل به . ولا فرق بين الكلامين ، وكلاهما وهم بل الواجب لا يتضمن معنى الجواز فإن حقيقة الجواز التخيير بين الفعل والترك ، والتساوي بينهما بتسوية الشرع ، وذلك منفي عن الواجب ، وذكر هذه المسألة ههنا أولى من ذكرها في كتاب النسخ ، فإنه نظر في حقيقة الوجوب والجواز لا في حقيقة النسخ . مسألة ( الجواز ليس فيه أمر ) كما فهمت أن الواجب لا يتضمن الجواز فافهم أن الجائز لا يتضمن الامر وأن المباح غير مأمور به ، لتناقض حديهما كما سبق خلافا للبلخي ، فإنه قال : المباح مأمور به ، لكنه دون الندب ، كما أن الندب مأمور به ، لكنه دون الواجب ، وهذا محال ، إذ الامر اقتضاء وطلب ، والمباح غير مطلوب ، بل مأذون فيه ، ومطلق له ، فإن استعمل لفظ الامر في الاذن فهو تجوز ، فإن قيل : ترك الحرام واجب ، والسكون المباح يترك به الحرام من الزنا والسرقة والسكوت المباح أو الكلام المباح يترك به الكفر والكذب ، وترك الكفر والكذب والزنا مأمور به ؟ قلنا : قد يترك بالندب حرام فليكن واجبا ، وقد يترك بالحرام حرام آخر ، فليكن الشئ الواحد واجبا حراما ، وهو تناقض ، ويلزم هذا على مذهب من زعم أن الامر بالشئ نهي عن ضده ، والنهي عن الشئ أمر بأحد أضداده ، بل يلزم عليه كون الصلاة حراما ، إذا تحرم بها من ترك الزكاة