الغزالي

60

المستصفى

الواجبة ، لأنه أحد أضداد الواجب ، وكل ذلك قياس مذهب هؤلاء ، لكنهم لم يقولوا به ، فإن قيل : فالمباح هل يدخل تحت التكليف ؟ وهل هو من التكاليف ؟ قلنا : إن كان التكليف عبارة عن طلب ما فيه كلفة فليس ذلك في المباح ، وإن أريد به ما عرف من جهة الشرع إطلاقه والاذن فيه فهو تكليف ، وإن أريد به أنه الذي كلف اعتقاد كونه من الشرع فقد كلف ذلك ، لكن لا بنفس الإباحة ، بل بأصل الايمان ، وقد سماه الأستاذ أبو إسحق رحمه الله تكليفا بهذا التأويل الأخير ، وهو بعيد ، مع أنه نزاع في اسم ، فإن قيل : فهل المباح حسن ؟ قلنا : إن كان الحسن عبارة عما لفاعله أن يفعله فهو حسن ، وإن كان عبارة عما أمر بتعظيم فاعله والثناء عليه أو وجب اعتقاد استحقاقه للثناء والقبيح ما يجب اعتقاد استحقاق صاحبه للذم أو العقاب فليس المباح بحسن ، واحترزنا باعتقاد الاستحقاق عن معاصي الأنبياء ، فقد دل الدليل على وقوعها منهم ، ولم يأمر بإهانتهم وذمهم ، لكنا نعتقد استحقاقهم لذلك مع تفضل الله تعالى بإسقاط المستحق من حيث أمرنا بتعظيمهم والثناء عليهم . - مسألة ( هل المباح من الشريعة ؟ ) المباح من الشرع ، وقد ذهب بعض المعتزلة إلى أنه ليس من الشرع ، إذ معنى المباح رفع الحرج عن الفعل والترك وذلك ثابت قبل السمع ، فمعنى إباحة الشرع شيئا أنه تركه على ما كان عليه قبل ورود السمع ولم يغير حكمه وكل ما لم يثبت تحريمه ولا وجوبه بقي على النفي الأصلي ، فعبر عنه بالمباح ، وهذا له غور ، وكشف الغطاء عنه أن الافعال ثلاثة أقسام : قسم بقي على الأصل ، فلم يرد فيه من الشرع تعرض لا بصريح اللفظ ولا بدليل من أدلة السمع ، فينبغي أن يقال : استمر فيه ما كان ولم يتعرض له السمع فليس فيه حكم . وقسم صرح الشرع فيه بالتخيير وقال : إن شئتم فافعلوه ، وإن شئتم فاتركوه ، فهذا خطاب ، والحكم لا معنى له إلا الخطاب ، ولا سبيل إلى إنكاره ، وقد ورد . وقسم ثالث لم يرد فيه خطاب بالتخيير ، لكن دل دليل السمع على أنه نفي الحرج عن فعله وتركه ، فقد عرف بدليل السمع ، ولولا هذا الدليل لكان يعرف بدليل العقل نفي الحرج عن فاعله ، وبقاؤه على النفي الأصلي ، فهذا فيه نظر إذ اجتمع عليه دليل العقل والسمع ، وفي الطرفين الآخرين أيضا نظر ، إذ يمكن أن يقال : قول الشارع إن شئت فقم ، وإن شئت فاقعد ليس بتجديد حكم ، هو تقرير للحكم السابق ، ومعنى تقريره أنه ليس يغير أمره بل يتركه على ما هو عليه ، فليس ذلك أمرا حادثا بالشرع ، فلا يكون شرعيا ، وأما الطرف الآخر وهو الذي لم يرد فيه خطاب ولا دليل ، فيمكن أيضا إنكاره ، بأن يقال : قد دل السمع على أن ما لم يرد فيه طلب فعل ولا طلب ترك ، فالمكلف فيه مخير ، وهذا دليل على العموم فيما لا يتناهى من الافعال ، فلا يبقى فعل إلا مدلولا عليه من جهة الشرع ، فتكون إباحته من الشرع ، وإلا عورض أن الإباحة من جهة الشرع تقرير لا تغيير ، وليس مع التقرير تجديد أمر ، بل بيان أنه لم يجدد فيه أمرا ، بل كف عن التعرض له ، وسيأتي لهذا تحقيق في مسألة إقامة الدليل على النافي . - مسألة ( التفريق بين المندوب والمباح المندوب مأمور به ، وإن لم يكن المباح مأمورا به ، لان الامر اقتضاء وطلب ، والمباح غير مقتضى ، أما المندوب فإنه مقتضى لكن مع إسقاط الذم عن تاركه ، والواجب مقتضى ، لكن مع ذم تاركه إذا تركه مطلقا ، أو تركه وبدله ، وقال قوم : المندوب غير داخل تحت