الغزالي

58

المستصفى

لكان مقدرا ، فما المقدار الذي يجب غسله من الرأس وإمساكه من الليل ؟ قلنا : قد وجب التوصل به إلى الواجب ، وهو غير مقدر ، بل يجب مسح الرأس ، ويكفي أقل ما ينطلق عليه الاسم ، وهو غير مقدر ، فكذلك الواجب أقل ما يمكن به غسل الوجه ، وهذا التقدير كاف في الوجوب ، فإن قيل : لو كان واجبا لكان يثاب على فعله ويعاقب على تركه ، وتارك الوضوء لا يعاقب على ما تركه من غسل الرأس ، بل من غسل الوجه وتارك الصوم لا يعاقب على ترك الامساك ليلا ، قلنا : ومن أنبأكم بذلك ، ومن أين عرفتم أن ثواب البعيد عن البيت لا يزيد على ثواب القريب في الحج ، وأن من زاد عمله لا يزيد ثوابه ، وإن كان بطريق التوصل ، وأما العقاب فهو عقاب على ترك الصوم والوضوء ، وليس يتوزع على أجزاء الفعل ، فلا معنى لاضافته إلى التفاصيل ، فإن قيل : لو قدر على الاقتصار على غسل الوجه لم يعاقب ؟ قلنا : هذا مسلم ، لأنه إنما يجب على العاجز ، أما القاد ر فلا وجوب عليه . - مسألة ( حكم اختلاط المنكوحة بالأجنبية ) قال قائلون : إذا اختلطت منكوحة بأجنبية وجب الكف عنهما ، لكن الحرام هي الأجنبية ، والمنكوحة حلال ، ويجب الكف عنها ، وهذا متناقض ، بل ليس الحرمة والحل وصفا ذاتيا لهما ، بل هو متعلق بالفعل ، فإذا حرم فعل الوطئ فيهما فأي معنى لقولنا : وطئ المنكوحة حلال ووطئ الأجنبية حرام ؟ بل هما حرامان . إحداهما بعلة الأجنبية ، والأخرى بعلة الاختلاط بالأجنبية ، فالاختلاف في العلة لا في الحكم وإنما وقع هذا في الأوهام ، من حيث ضاهى الوصف بالحل والحرمة الوصف بالعجز والقدرة ، والسواد والبياض ، والصفات الحسية ، وذلك وهم نبهنا عليه ، إذ ليست الاحكام صفات للأعيان أصلا ، بل نقول : إذا اشتبهت رضيعة بنساء بلدة فنكح واحدة حلت ، واحتمل أن تكون هي الرضيعة في علم الله تعالى ، ولا نقول : إنها ليست في علم الله تعالى زوجة له ، إذ لا معنى للزوجة إلا من حل وطؤها بنكاح ، وهذه قد حل وطؤها ، فهي حلال عنده وعند الله تعالى ، ولا نقول : هي حرام عند الله تعالى وحلال عنده في ظنه ، بل إذا ظن الحل فهي حلال عند الله تعالى ، وسيأتي تحقيق هذا في مسألة تصويب المجتهد ، أما إذا قال لزوجتيه : إحداكما طالق ، فيحتمل أن يقال : يحل وطؤها ، والطلاق غير واقع ، لأنه لم يعين له محلا ، فصار كما إذا باع أحد عبديه ، ويحتمل أن يقال ، حرمتا جميعا ، فإنه لا يشترط تعيين محل الطلاق ، ثم عليه التعيين ، وإليه ذهب أكبر الفقهاء ، والمتبع في ذلك موجب ظن المجتهد ، أما المصير إلى أن أحد أهما محرمة والأخرى منكوحة كما توهموه في اختلاط المنكوحة بالأجنبية فلا ينقدح هاهنا ، لان ذلك جهل من الآدمي ، عرض بعد التعيين ، وأما هنا فليس متعينا ، في نفسه ، بل يعلمه الله تعالى مطلقا لإحداهما لا بعينها ، فإن قيل : إذا وجب عليه التعيين فالله تعالى يعلم ما سيعينه ، فتكون هي المحرمة المطلقة بعينها في علم الله تعالى ، وإنما هو مشكل علينا ؟ قلنا : الله تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه ، فلا يعلم الطلاق الذي لم يعين محله متعينا ، بل يعلمه قابلا للتعيين ، إذا عينه المطلق ، ويعلم أنه سيعين زينب مثلا ، فيتعين الطلاق بتعيينه إذا عين لا قبله ، وكذلك نقول في الواجب : المخير الله تعالى ، يعلم ما سيفعله العبد من خلال الكفارة ، ولا يعلمه واجبا بعينه ، بل واجبا غير معين في حال ، ثم يعلم صيرورته متعينا بالتعيين ، بدليل أنه لو علم أنه يموت