الغزالي
57
المستصفى
قلنا : هذا محال ، فإن العاقبة مستورة عنه ، فإذا سألنا وقال : العاقبة مستورة عني وعلي صوم يوم ، وأنا أريد أن أؤخره إلى غد ، فهل يحل لي التأخير مع الجهل بالعاقبة أم أعصي بالتأخير ؟ فلا بدل له من جواب ، فإن قلنا : لا يعصي فلم أثم بالموت الذي ليس إليه ، وإن قلنا : يعصي فهو خلاف الاجماع في الواجب الموسع ، وإن قلنا : إن كان في علم الله تعالى أنك تموت قبل الغد فأنت عاص ، وإن كان في علمه أن تحيا فلك التأخير ، فيقول : وما يدريني ماذا في علم الله ، فما فتواكم في حق الجاهل ؟ فلا بد من الجزم بالتحليل أو التحريم ، فإن قيل : فإن جاز تأخيره أبدا ولا يعصي إذا مات ، فأي معنى لوجوبه ؟ قلنا : تحقق الوجوب بأنه لم يجز التأخير إلا بشرط العزم ، ولا يجوز العزم على التأخير إلا إلى مدة يغلب على ظنه البقاء إليها ، كتأخيره الصلاة من ساعة إلى ساعة ، وتأخيره الصوم من يوم إلى يوم مع العزم على التفرغ له في كل وقت ، وتأخيره الحج من سنة إلى سنة ، فلو عزم المريض المشرف على الهلاك على التأخير شهرا ، أو الشيخ الضعيف على التأخير سنين وغالب ظنه أنه لا يعيش إلى تلك المدة عصي بهذا التأخير ، وإن لم يمت ووفق للعمل لكنه مأخوذ بموجب ظنه ، كالمعزر إذا ضرب ضربا يهلك ، أو قاطع سلعة وغالب ظنه الهلاك أثم وإن سلم ، ولهذا قال أبو حنيفة : لا يجوز تأخير الحج ، لان البقاء إلى سنة لا يغلب على الظن ، وأما تأخير الصوم والزكاة إلى شهر وشهرين فجائز ، لأنه لا يغلب على الظن الموت إلى تلك المدة ، والشافعي رحمه الله يرى البقاء إلى السنة الثانية غالبا على الظن في حق الشاب الصحيح دون الشيخ والمريض ، ثم المعزر إذا فعل ما غالب ظنه السلامة فهلك ضمن ، لا لأنه آثم ، لكن لأنه أخطأ في ظنه والمخطئ ضامن غير آثم . مسألة ( ما لا يتم الواجب إلا به ) اختلفوا في أن ما لا يتم الوجب إلا به ، هل يوصف بالوجوب ؟ والتحقيق في هذا أن هذا ينقسم إلى ما ليس إلى المكلف ، كالقدرة على الفعل ، وكاليد في الكتابة ، وكالرجل في المشي ، فهذا لا يوصف بالوجوب ، بل عدمه يمنع الايجاب إلا على مذهب من يجوز تكليف ما لا يطاق ، وكذلك تكليف حضور الامام الجمعة ، وحضور تمام العدد ، فإنه ليس إليه فلا يوصف بالوجوب ، بل يسقط بتعذره الواجب . وأما ما يتعلق باختيار العبد فينقسم إلى الشرط الشرعي وإلى الحسي . فالشرعي : كالطهارة في الصلاة يجب وصفها بالوجوب عند وجوب الصلاة ، فإن إيجاب الصلاة إيجاب لما يصير به الفعل صلاة . وأما الحسي : فكالسعي إلى الجمعة ، وكالمشي إلى الحج وإلى مواضع المناسك ، فينبغي أن يوصف أيضا بالوجوب إذ أمر البعيد عن البيت بالحج أمر بالمشي إليه لا محالة ، وكذلك إذا وجب غسل الوجه ولم يمكن إلا بغسل جزء من الرأس ، وإذا وجب الصوم ولم يمكن إلا بالامساك جزء من الليل قبل الصبح ، فيوصف ذلك بالوجوب ونقول : ما لا يتوصل إلى الواجب إلا به وهو فعل المكلف فهو واجب ، وهذا أولى من أن نقول : يجب التوصل إلى الواجب بما ليس بواجب ، إذ قولنا : يجب فعل ما ليس بواجب متناقض ، وقولنا : ما ليس بواجب صار واجبا غير متناقض فإنه واجب ، لكن الأصل وجب بالايجاب قصدا إليه ، والوسيلة وجبت بواسطة وجوب المقصود وقد وجب كيفما كان ، وإن كان علة وجوبه غير علة وجوب المقصود ، فإن قيل لو كان واجبا