الغزالي

56

المستصفى

يسع تأخيره عنه ، وقولكم : أنه ينوي الفرض فمسلم ، لكنه فرض بمعنى أنه يصير فرضا كمعجل الزكاة ينوي فرض الزكاة ، ويثاب ثواب معجل الفرض لا ثواب الندب ولا ثواب الفرض الذي ليس بمعجل ، قلنا : قولكم أنه بالإضافة إلى أول الوقت يجوز تأخيره فهو ندب خطأ ، إذ ليس هذا حد الندب ، بل الندب ما يجوز تركه مطلقا ، وهذا لا يجوز تركه إلا بشرط ، وهو الفعل بعده أو العزم على الفعل ، وما جاز تركه ببدل وشرط فليس بندب بدليل ما لو أمر بالاعتاق فإنه ما من عبد إلا ويجوز له ترك اعتاقه لكن بشرط أن يعتق عبدا آخر ، وكذلك خصال الكفارة ، ما من واحدة إلا ويجوز تركها لكن ببدل ، ولا يكون ندبا بل كما يسمى ذلك واجبا مخيرا ، يسمى هذا واجبا غير مضيق ، وإذا كان حظ المعنى منه متفقا عليه وهو الانقسام إلى الأقسام الثلاثة فلا معنى للمناقشة ، وما جاز تركه بشرط يفارق ما لا يجوز تركه مطلقا ، وما يجوز تركه مطلقا ، فهو قسم ثالث ، وأما ما ذكرتموه من أنه تعجيل للفرض فلذلك سمي فرضا فمخالف للاجماع ، إذ يجب نية التعجيل في الزكاة ، وما نوى أحد من السلف في الصلاة في أول الوقت إلا ما نواه في آخره ، ولم يفرقوا أصلا وهو مقطوع به ، فإن قيل : قد قال قوم يقع نفلا ويسقط الفرض عنده ، وقال قوم : يقع موقوفا ، فإن بقي بنعت المكلفين إلى آخر الوقت تبين وقوعه فرضا ، وإن مات أو جن وقع نفلا ، قلنا : لو كان يقع نفلا لجازت بنية النفل بل استحال وجود نية الفرض من العالم بكونه نفلا ، إذ النية قصد يتبع العلم ، والوقف باطل إذ الأمة مجمعة على أن من مات في وسط الوقت بعد الفراغ من الصلاة مات مؤديا فرض الله تعالى كما نواه وأداه ، إذا قال : نويت أداء فرض الله تعالى ، فإن قيل : بنيتم كلامكم على أن تركه جائز بشرط وهو العزم على الامتثال أو الفعل وليس كذلك ، فإن الواجب المخير ما خير فيه بين شيئين كخصال الكفارة ، وما خير الشرع بين فعل الصلاة والعزم ، ولان مجرد قوله : صل في هذا الوقت ليس فيه تعرض للعزم ، فإيجابه زيادة على مقتضى الصيغة ، ولأنه لو غفل وخلا عن العزم ومات في وسط الوقت لم يكن عاصيا ؟ قلنا : أما قولكم لو ذهل لا يكون عاصيا فمسلم ، وسببه أن الغافل لا يكلف ، أما إذا لم يغفل عن الامر فلا يخلو عن العزم إلا بضده ، وهو العزم على الترك مطلقا ، وذلك حرام ، وما لا خلاص من الحرام إلا به فهو واجب ، فهذا الدليل قد دل على وجوبه وإن لم يدل عليه مجرد الصيغة من حيث وضع اللسان ، ودليل العقل أقوى من دلالة الصيغة ، فإذا يرجع حاصل الكلام إلى أن الواجب الموسع كالواجب المخير بالإضافة إلى أول الوقت وبالإضافة إلى آخره أيضا ، فإنه لو أخلي عنه في آخره لم يعص إذا كان قد فعل في أوله . مسألة ( حكم من توفي أثناء وقت الصلاة بعد العزم عليها ) إذا مات في أثناء وقت الصلاة فجأة بعد العزم على الامتثال لا يكون عاصيا ، وقال بعض من أراد تحقيق معنى الوجوب أنه يعصي ، وهو خلاف إجماع السلف ، فإنا نعلم أنهم كانوا لا يؤثمون من مات فجأة بعد انقضاء مقدار أربع ركعات من وقت الزوال أو بعد انقضاء مقدار ركعتين من أول الصبح ، وكانوا لا ينسبونه إلى تقصير ، ولا سيما إذا اشتغل بالوضوء ، أو نهض إلى المسجد فمات في الطريق ، بل محال أن يعصي ، وقد جوز له التأخير فمن فعل ما يجوز له كيف يمكن تعصيته ، فإن قيل : جاز له التأخير بشرط سلامة العاقبة ،