الغزالي

40

المستصفى

كلام واحد . مثال ترك إحدى المقدمتين ، لوضوحها ، وذلك غالب في الفقهيات والمحاورات احترازا عن التطويل ، كقول القائل : هذا يجب عليه الرجم لأنه زنى وهو محصن وتمام القياس أن تقول : كل من زنى وهو محصن فعليه الرجم ، وهذا زنى وهو محصن : ولكن ترك المقدمة الأولى لاشتهارها ، وكذلك يقال : العالم محدث ، فيقال : لم ؟ فيقول : لأنه جائز ، ويقتصر عليه ، وتمامه أن يقول : كل جائز فله فاعل ، والعالم جائز ، فإذا له فاعل ، ويقول في نكاح الشغار هو فاسد ، لأنه منهي عنه ، وتمامه أن يقول : كل منهي عنه فهو فاسد ، والشغار منهي عنه ، فهو إذا فاسد ، ولكن ترك الأولى لأنها موضع النزاع ولو صرح بها لتنبه الخصم لها فربما تركها للتلبيس مرة كما تركها للوضوح أخرى ، وأكثر أدلة القرآن كذلك تكون ، مثل قوله تعالى : * ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) * ( الأنبياء : 22 ) فينبغي أن يضم إليها ، ومعلوم أنهما لم تفسدا وقوله تعالى : * ( إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا ) * ( الاسراء : 24 ) وتمامه أنه معلوم أنهم لم يبتغوا إلى ذي العرش سبيلا . ومثال ما يترك للتلبيس أن يقال : فلان خائن في حقك ، فتقول : لم ؟ فيقال : لأنه كان يناجي عدوك ، وتمامه أن يقال كل من يناجي العدو فهو عدو ، وهذا يناجي العدو فهو إذا عدو ، ولكن لو صرح به لتنبه الذهن بأن من يناجي العدو فقد ينصحه وقد يخدعه ، فلا يجب أن يكون عدوا ، وربما يترك المقدمة الثانية وهي مقدمة المحكوم عليه ، مثاله أن يقال : لا تخالط فلانا ، فيقول : لم ؟ فيقال : لان الحساد لا يخالطون ، وتمامه أن يضم إليه إن هذا حاسد ، والحاسد لا يخالط ، فهذا إذا لا يخالط وسبيل من يريد التلبيس إهمال المقدمة التي التلبيس تحتها استغفالا للخصم ، واستجهالا له ، وهذا غلط في النظم الأول ، ويتطرق ذلك إلى النظم الثاني والثالث ، مثاله قولك : كل شجاع ظالم ، فيقال : لم ؟ فيقال : لان الحجاج كان شجاعا وظالما ، وتمامه أن يقول : الحجاج شجاع ، والحجاج ظالم ، فكل شجاع ظالم وهذا غير منتج ، لأنه طلب نتيجة عامة من النظم الثالث ، وقد بينا أنه لا ينتج إلا نتيجة خاصة ، وإنما كان من النظم الثالث لان الحجاج هو العلة لأنه المتكرر في المقدمتين ، لأنه محكوم عليه في المقدمتين ، فيلزم منه أن بعض الشجعان ظالم ، ومن هاهنا غلط من حكم على كل المتصوفة ، أو كل المتفقهة بالفساد إذا رأى ذلك من بعضهم ونظم قياسه أن فلانا متفقه ، وفلان فاسق ، فكل متفقه فاسق وذلك لا يلزم ، بل يلزم أن بعض المتفقهة ، فاسق ، وكثيرا ما يقع مثل هذا الغلط في الفقه أن يرى الفقيه حكما ، في موضع معين ، فيقضي بذلك الحكم على العموم فيقول مثلا ، البر مطعوم والبر ربوي ، فالمطعوم ربوي ، وبالجملة : مهما كانت العلة أخص من الحكم والمحكوم عليه في النتيجة لم يلزم منه إلا نتيجة جزئية وهو معنى النظم الثالث ، ومهما كانت العلة أعم من المحكوم عليه وأخص من الحكم أو مساوية له كان من النظم الأول ، وأمكن استنتاج القضايا الأربعة منه ، أعني الموجبة العامة والخاصة ، والنافية العامة والخاصة ، ومهما كانت العلة أعم من الحكم والمحكوم عليه جميعا كان من النظم الثاني ، ولم ينتج منه إلا النفي ، فأما الايجاب فلا . ومثال المختلطات المركبة من كل نمط كقولك : الباري تعالى إن كان على العرش أما مساو أو أكبر أو أصغر ، وكل مساو وأصغر وأكبر مقدر ، وكل مقدر فإما أن يكون جسما أو لا