الغزالي
41
المستصفى
يكون جسما ، وباطل أن لا يكون جسما ، فثبت أنه جسم ، فيلزم أن يكون الباري ، تعالى جسما ، ومحال أن يكون جسما فمحال أن يكون على العرش ، وهذا السياق اشتمل على النظم الأول والثاني والثالث مختلطا كذلك ، فمن لا يقدر على تحليله وتفصيله فربما انطوى التلبيس في تفاصيله وتضاعيفه فلا يتنبه لموضعه ، ومن عرف المفردات أمكنه رد المختلطات إليها ، فإذا لا يتصور النطق بالاستدلال إلا ويرجع إلى ما ذكرناه . الفصل الثاني في بيان رجوع الاستقراء والتمثيل إلى ما ذكرناه أما الاستقراء فهو عبارة عن تصفح أمور جزئية لنحكم بحكمها على أمر يشمل تلك الجزئيات ، كقولنا في الوتر ليس بفرض ، لأنه يؤدى على الراحلة ، والفرض لا يؤدى على الراحلة ، فيقال : لم قلتم أن الفرض لا يؤدى على الراحلة ؟ فيقال : عرفناه بالاستقراء ، إذ رأينا القضاء والأداء والمنذور وسائر أصناف الفرائض لا تؤدى على الراحلة ، فقلنا إن كل فرض لا يؤدى على الراحلة ، ووجه دلالة هذا لا يتم إلا بالنظم الأول بأن يقول : كل فرض فإما قضاء أو أداء أو نذر ، وكل قضاء وأداء ونذر فلا يؤدى على الراحلة ، فكل فرض لا يؤدى على الراحلة ، وهذا مختل يصلح للظنيات دون القطعيات ، والخلل تحت قوله ، إما أداء ، فإن حكمه بأن كل أداء لا يؤدى على الراحلة يمنعه الخصم ، إذ الوتر عنده أداء واجب ويؤدى على الراحلة ، وإنما يسلم الخصم من الأداء الصلوات الخمس ، وهذه صلاة سادسة عنده فيقول : وهل استقريت حكم الوتر في تصفحك وكيف وجدته ؟ فإن قلت : وجدته لا يؤدى على الراحلة ، فالخصم لا يسلم ، فإن لم تتصفحه فلم يبين لك إلا بعض الأداء ، فخرجت المقدمة الثانية عن أن تكون عامة وصارت خاصة ، وذلك لا ينتج ، لأنا بينا أن المقدمة الثانية في النظم الأول ينبغي أن تكون عامة ، ولهذا غلط من قال أن صانع العالم جسم ، لأنه قال : كل فاعل جسم ، وصانع العالم فاعل ، فهو إذا جسم ، فقيل : لم قلت أن كل فاعل جسم ؟ فيقول : لأني تصفحت الفاعلين من خياط وبناء وإسكاف وحجام وحداد وغيرهم فوجدتهم أجساما ، فيقال : وهل تصفحت صانع العالم أم لا فإن لم تتصفحه فقد تصفحت البعض دون الكل فوجدت بعض الفاعلين جسما ، فصارت المقدمة الثانية خاصة لا تنتج ، وإن تصفحت الباري فكيف وجدته ؟ فإن قلت وجدته جسما فهو محل النزاع ، فكيف أدخلته في المقدمة ، فثبت بهذا أن الاستقراء إن كان تاما رجع إلى النظم الأول ، وصلح للقطعيات ، وإن لم يكن تاما لم يصلح إلا للفقهيات ، لأنه مهما وجد الأكثر على نمط غلب على الظن أن الآخر كذلك . الفصل الثالث في وجه لزوم النتيجة من المقدمات وهو الذي يعبر عنه بوجه الدليل ويلتبس الامر فيه على الضعفاء فلا يتحققون أن وجه الدليل عين المدلول أو غيره فنقول : كل مفردين جمعتهما القوة المفكرة ونسبت أحدهما إلى الآخر بنفي أو إثبات وعرضته على العقل لم يخل العقل فيه من أحد أمرين ، إما أن يصدق به أو يمتنع من التصديق ، فإن صدق فهو الأولى المعلوم بغير واسطة ، ويقال إنه معلوم بغير نظر ودليل وحيلة وتأمل ، وكل ذلك بمعنى واحد ، وإن لم يصدق فلا مطمع في التصديق إلا بواسطة وتلك الواسطة هي التي تنسب إلى الحكم ، فيكون خبرا عنها ، وتنسب إلى المحكوم عليه فتجعل