الغزالي
23
المستصفى
الإلهية ، إذ ليس في الوجود إلا الله تعالى وأفعاله ، فإذا انطبعت بها صارت كأنها كل العالم لاحاطتها به تصورا وانطباعا ، وعند ذلك ربما ظن من لا يدري الحلول ، فيكون كمن ظن أن الصورة حالة في المرآة وهو غلط ، لأنها ليست في المرآة ، ولكن كأنها في المرآة ، فهذا ما نرى الاقتصار عليه في شرح حقيقة العلم في هذه المقدمة التي هي علاوة على هذا العلم . امتحان ثالث ( تعريف الواجب ) اختلفوا في حد الواجب ، فقيل : الواجب ما تعلق به الايجاب ، وهو فاسد ، كقولهم : العلم ما يعلم به ، وقيل : ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه ، وقيل : ما يجب بتركه العقاب ، وقيل ما لا يجوز العزم على تركه ، وقيل : ما يصير المكلف بتركه عاصيا ، وقيل : ما يلام تاركه شرعا ، وأكثر هذه الحدود تعرض للوازم والتوابع ، وسبيلك إن أردت الوقوف على حقيقته أن تتوصل إليه بالتقسيم كما أرشدناك إليه في حد العلم ، فاعلم أن الألفاظ في هذا الفن خمسة : الواجب ، والمحظور ، والمندوب ، والمكروه ، والمباح ، فدع الألفاظ جانبا ورد النظر إلى المعنى أولا ، فأنت تعلم أن الواجب اسم مشترك ، إذ يطلقه المتكلم في مقابلة الممتنع ويقول : وجود الله تعالى واجب ، وقال الله تعالى : * ( وجبت جنوبها ) * ( الحج : 63 ) ويقال : وجبت الشمس ، وله بكل معنى عبارة ، والمطلوب الآن مراد الفقهاء ، وهذه الألفاظ لا شك أنها لا تطلق على جوهر بل على عرض ، ولا على كل عرض ، بل من جملتها على الافعال فقط ، ومن الافعال على أفعال المكلفين لا على أفعال البهائم ، فإذا نظرك إلى أقسام الفعل لا من حيث كونه مقدورا وحادثا ومعلوما ومكتسبا ومخترعا ، وله بحسب كل نسبة انقسامات ، إذ عوارض الافعال ولوازمها كثيرة فلا نظر فيها ولكن إطلاق هذا الاسم عليها من حيث نسبتها إلى خطار الشرع فقط ، فنقسم الافعال بالإضافة إلى خطاب الشرع ، فنعلم أن الافعال تنقسم إلى ما لا يتعلق به خطاب الشرع كفعل المجنون وإلى ما يتعلق به ، والذي يتعلق به ينقسم إلى ما يتعلق به على وجه التخيير والتسوية بين الاقدام عليه وبين الاحجام عنه ويسمى مباحا ، وإلى ما ترجح فعله على تركه وإلى ما ترجح تركه على فعله ، والذي ترجح فعله على تركه ينقسم إلى ما أشعر بأنه لا عقاب على تركه ويسمى مندوبا ، وإلى ما أشعر بأنه يعاقب على تركه ويسمى واجبا ، ثم ربما خص فريق اسم الواجب بما أشعر بالعقوبة عليه ظنا ، وما أشعر به قطعا ، خصوه باسم الفرض ، ثم لا مشاحة في الألفاظ بعد معرفة المعاني ، وأما المرجح تركه فينقسم إلى ما أشعر بأنه لا عقاب على فعله ويسمى مكروها ، وقد يكون منه ما أشعر بعقاب على فعله في الدنيا كقوله ( ص ) : من نام بعد العصر فاختلس عقله فلا يلومن إلا نفسه وإلى ما أشعر بعقاب في الآخرة على فعله وهو المسمى محظورا وحراما ومعصية ، فإن قلت : فما معنى قولك : أشعر ؟ فمعناه أنه عرف بدلالة من خطاب صريح أو قرينة أو معنى مستنبط أو فعل أو إشارة ، فالاشعار يعم جميع المدارك ، فإن قلت : فما معنى قولك : عليه عقاب ؟ قلنا : معناه أنه أخبر أنه سبب العقاب في الآخرة ، فإن قلت : فما المراد بكونه سببا ؟ فالمراد به ما يفهم من قولنا ، الاكل سبب الشبع ، وحز الرقبة سبب الموت ، والضرب سبب الألم ، والدواء سبب الشفاء ، فإن قلت : فلو كان سببا لكان لا يتصور أن لا يعاقب ، وكم من تارك واجب يعفى عنه