الغزالي
24
المستصفى
ولا يعاقب فأقول : ليس كذلك ، إذ لا يفهم من قولنا : الضرب سبب الألم ، والدواء سبب الشفاء ، أن ذلك واجب في كل شخص أو في معين مشار إليه ، بل يجوز أن يعرض في المحل أمر يدفع السبب ولا يدل ذلك على بطلان السببية ، فرب دواء لا ينفع ، ورب ضرب لا يدرك المضروب ألمه لكونه مشغول النفس بشئ آخر كمن يجرح في حال القتال وهو لا يحس في الحال به ، وكما أن العلة قد تستحكم فتدفع أثر الدواء ، فكذلك قد يكون في سريرة الشخص وباطنه أخلاق رضية ، وخصال محمودة عند الله تعالى مرضية توجب العفو عن جريمته ، ولا يوجب ذلك خروج الجريمة عن كونها سبب العقاب ، فإن قال قائل هل يتصور أن يكون للشئ الواحد حدان ؟ قلنا : أما الحد اللفظي : فيجوز أن يكون ألفا إذ ذلك بكثرة الأسامي الموضوعة للشئ الواحد . وأما الرسمي : فيجوز أيضا أن يكثر لان عوارض الشئ الواحد ولوازمه قد تكثر . وأما الحد الحقيقي : فلا يتصور أن يكون إلا واحدا ، لان الذاتيات محصورة ، فإن لم يذكرها لم يكن حدا حقيقيا ، وإن ذكر مع الذاتيات زيادة فالزيادة حشو . فإذا هذا الحد لا يتعدد ، وإن جاز أن تختلف العبارات المترادفة ، كما يقال في حد الحادث أنه الموجود بعد العدم ، أو الكائن بعد أن لم يكن ، أو الموجود المسبوق بعدم ، أو الموجود عن عدم فهذه العبارات لا تؤدي إلا معنى واحدا ، فإنها في حكم المترادفة ، ولنقتصر في الامتحانات على هذا القدر ، فالتنبيه حاصل به إن شاء الله تعالى . الدعامة الثانية من مدارك العقول : في البرهان الذي به التوصل إلى العلوم التصديقية المطلوبة بالبحث والنظر وهذه الدعامة تشتمل على ثلاثة فنون : سوابق ولواحق ومقاصد . الفن الأول : في السوابق ويشتمل على تمهيد كلي وثلاثة فصول . التمهيد : اعلم أن البرهان عبارة عن أقاويل مخصوصة ، ألفت تأليفا مخصوصا بشرط مخصوص يلزم منه رأي هو مطلوب الناظر بالنظر ، وهذه الأقاويل إذا وضعت في البرهان لاقتباس المطلوب منها سميت مقدمات ، والخلل في البرهان تارة يدخل من جهة نفس المقدمات ، إذ قد تكون خالية عن شروطها ، وأخرى من كيفية الترتيب والنظم وإن كانت المقدمات صحيحة يقينية ومرة منها جميعا ومثاله من المحسوسات البيت المبني ، فإنه أمر مركب تارة يختل بسبب في هيئة التأليف ، بأن تكون الحيطان معوجة ، والسقف منخفضا إلى موضع قريب من الأرض ، فيكون فاسدا من حيث الصورة ، وإن كانت الأحجار والجذوع وسائر الآلات صحيحة ، وتارة يكون البيت صحيح الصورة في تربيعها ووضع حيطانها وسقفها ولكن يكون الخلل من رخاوة في الجذوع وتشعب في اللبنات ، هذا حكم البرهان والحد وكل أمر مركب ، فإن الخلل إما أن يكون في هيئة تركيبه ، وإما أن يكون في الأصل الذي يرد عليه التركيب ، كالثوب في القميص ، والخشب في الكرسي ، واللبن في الحائط ، والجذوع في السقف ، وكما أن من يريد بناء بيت بعيد عن الخلل يفتقر إلى أن يعد الآلات المفردة ، أولا