صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
396
الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة
شهوات قلوبهم ودواعي نفوسهم وكل من كان كذلك كان فعله فعل الحق وقوله قول الصدق إذ لا داعيه في نفسه تخالف داعي الحق بل يستهلك ارادته في اراده الحق ومشيته في مشيه الحق ومثال طاعتهم لله سبحانه ولامره مثال طاعة الحواس فينا للنفس حيث لا تستطيع خلافا لها فيما شاءت النفس ولا حاجه في طاعتها للنفس إلى امر ونهى أو ترغيب وزجر بل كلما همت الناطقة بأمر محسوس امتثلث الحاسة لما همت به وقصدته دفعه مع أن هذه الحواس واقعه في عالم آخر غير عالم الجوهر العقلي منا لأنها نازلة عنه في الملكوت الأسفل فكذا طاعة الملائكة الواقعة في ملكوت السماوات لله سبحانه لأنهم المطيعون بذواتهم لامره المستمعون بأسماعهم الباطنة لوحيه المستشعرون بقلوبهم النورية لعظمته الوالهون في ملاحظة جماله وجلاله وحيث انهم لا يستطيعون خلافا ولا تمردا ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون يأتمرون بأمره وينتهون بنهيه بل يفعلون حسبما يفعله ويتركون حسبما يتركه فهؤلاء العباد المكرمون يكون حركاتهم وسكناتهم وتدبراتهم وتصوراتهم كلها بالحق ومن الحق فهذا أصل . واعلم أيضا ان الشئ كما يحدث في القابل من جهة أسباب قابلية ومباد خارجية وأوضاع جسمانية كما تحدث السخونة في جسم قابل من مصادفة مسخن خارجي كالنار مثلا كذلك قد تحدث فيه لا من استعداد مادي وجهات قابلية بل من سبب فأعلى وامر علوي ومبدء باطني كما تحدث السخونة في بدن الانسان من جهة نفسه عند تصورها لأمر هائل أو انبعاث اراده غضب منها فيسخن البدن عند ذلك غاية السخونة من غير حضور مسخن خارجي وكما يحدث برودة في أعضاء البدن ليس سببها أمرا طبيعيا ولا قاسرا خارجيا بل من جهة خوف ونحوه في النفس وكذلك تخيل الامر الشهواني يحرك الأعضاء ويحدث رطوبة وان لم يكن ذلك عن امتلاء طبيعي وأسباب معدة طبيعية فهكذا حال مادة العالم وبدن الانسان الكبير بالقياس إلى نفسه المدبرة له في وقوع الأمور النادرة منها وجريانها في هذا العالم لا على المجرى الطبيعي ولا من جهة سبق الأسباب الطبيعية المعدة إياها بل مع كون الأسباب السابقة مخالفه إياها