صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

109

الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة

واما الثاني فلما دلت عليه قاعده امكان الأشرف ( 1 ) التي مر ذكر البرهان عليها من أن الفياض المطلق والجواد الحق لا يقتضى الأخس حيثما يمكن الأشرف بل يلزم من فيض وجوده ومقتضى جوده الأشرف فالأشرف فلا جرم ابدع جل شانه أولا العقول الفعالة والصور المكرمة والملائكة المهيمة والأنوار القاهرة إذ هي اشرف ما في الامكان في الواقع وبحسب طبقتهم وأفضل تلك الذوات المقدسة وأنورها وأضوئها هو اقدمها وأقربها من نور الأنوار جلت آلاؤه ثم سائرها وما سواه على الترتيب إلى أواخر تلك الطبقة وهي أرباب الأصنام ومثل الأنواع الطبيعية التي أثبتها أفلاطون والأفلاطونيون

--> ( 1 ) قدمنا في بحث المثل الإفلاطونية من السفر الأول ما في المثل وما في هذه القاعدة من الكلام والذي ذكره في ترتيب الخلقة من نفوس فلكية وكوكبية وأجرامهما وما فيها من وجوه الخير والكمال مبنى على ما يعطيه آراء القدماء من أهل الهيئة والعلوم الطبيعية وما يتفرع عليهما ولا تصدقه الأبحاث الحديثة لكنك تعلم أن هذه المسائل على ما بها من الجزئية مما لا تناله البراهين الكلية الفلسفية وانما اخذتها الفلسفة من العلوم المربوطة بها أصولا موضوعه وإذ تبينت اليوم بطلانها أو فتورها فالوجه اخذ الانظار الأخيرة الحديثة أصولا موضوعه في الفلسفة وبناء البحث عليها وانما بيانها على عهده العلوم الباحثة عنها واما أصل المدعى وهو اشتمال نظام البدء على اتقن الصنع وأشرف الترتيب فمما لا غبار عليه كيف وعالم التجرد يحكى بنظامه النظام الربوبي الذي هو أفضل نظام واشرفه وهو فوق ما دونه كمالا وعالم المثال يحكى بنظامه العالم العقلي فيه أكمل الوجود الامكاني وأشرف الأنظمة وهو فوق عالم المادة الذي بعده كمالا وما في عالم المادة بمجراتها وشموسها وكواكبها وأقمارها وبما لها من الحركات وأنظمة الكون والفساد والفعل والانفعال . ثم بما فيها من العناصر وتركيباتها ثم الذرات ثم ما في بطونها من شموس ثابته وكواكب سياره والأنظمة الجزئية والنظام الكلى الجاري في الكل عن قواعد كليه لا تتخلف وموازين ثابته لا تزيغ وعنايات هاديه لا تبيد كل ذلك مما يدهش العقول بجماله ويملا البصائر بصفائه وبهائه وما ناله عقول البشر من عجائب الصنع ولطائف التدبير ووجوه الخير منها وفيها كقطرة من بحر زاخر ط مد .