الشهيد الثاني
المقدمة 12
مسالك الأفهام
لعياله ، ويصلي الصبح في المسجد ويشتغل بالتدريس بقية نهاره ، فلما شعرت منه بذلك ، كنت أذهب معه بغير اختياره وكنت أستفيد من فضائله وأرى من حسن شمائله ما يحملني على حب ملازمته وعدم مفارقته . وكان يصلي العشاء جماعة ويذهب لحفظ الكرم ، ويصلي الصبح في المسجد ويجلس للتدريس والبحث . . وكان شيخنا يتعاطى جميع مهماته بقلبه وبدنه . . حتى أنه ما كان يعجبه تدبير أحد في أموره . . ومع ذلك كله فقد كان غالب الزمان في الخوف الموجب لإتلاف النفس والتستر والاختفاء الذي لا يسع الإنسان معه أن يفكر في مسألة من الضروريات البديهية . . وسيأتي في عدة تصانيفه ما ظهر عنه في زمن الخوف من غزارة العلوم المشبهة بنفائس الجوهر المنظوم . . وأما شكله فقد كان ربعة من الرجال في القامة ، معتدل الهامة ، وفي آخر أمره كان السمن أميل ، بوجه صبيح مدور وشعر سبط يميل إلى الشقرة ، أسود العينين والحاجبين ، له خال على أحد خديه وآخر على أحد جبينيه ، أبيض اللون ، لطيف الجسم ، عبل الذراعين والساقين ، كأن أصابع يديه أقلام فضة ، إذا نظر الناظر في وجهه وسمع عذوبة لفظه ، لم تسمح نفسه بمفارقته وتسلى عن كل شئ بمخاطبته ، تمتلئ العيون من مهابته وتبتهج القلوب لجلالته . وأيم الله أنه لفوق ما وصفت وقد اشتمل من حميد الخصال على أكثر مما ذكرت ( 1 ) . الشهيد يترجم نفسه نقل ابن العودي في رسالته هذه ، الترجمة عن خط الشهيد قدس الله نفسه ، وفيه من تاريخ ولادته وحياته وأسفاره وجولاته العلمية وسعة ثقافته
--> ( 1 ) الدر المنثور 2 : 153 .