الشريف المرتضى
218
رسائل الشريف المرتضى
قيل له : ليس الأمر كما ظننت في دعائهم عليهم السلام لو اجتهدوا في الدعاء والطلب وسألوا الله تعالى هلاك الأرض ومن عليها لأجيبوا ، بل كانوا عليهم السلام عارفين بالدنيا وصغر قدرها بالإضافة إلى ما أعد الله لهم في الآخرة ، فلم يكن لها عندهم محل ولا بشئ منها في نفوسهم وزن . وكيف لا يكونوا كذلك ؟ مع علمهم بالله جل وعلا ، وما أعد لأوليائه من الثواب ولأعدائه من العقاب ، وأنهم من أشرف أوليائه الذين اجتباهم واصطفاهم ، وجعلهم الواسطة بينه وبين خلقه ، والأمناء عليهم ، والحفاظ لدينهم ، فهم القدوة ، وإليهم المفزع من سائر البشر ، وأن أعداءهم أعداء الله الذين لعنهم وغضب عليهم وأعد لهم أعظم العقاب وأشد العذاب . فقلوبهم مملؤة بالمعرفة لخالقهم ، وما يقرب إليه ويزلف لديه من الطاعة له والخوف من مخالفته ، والقيام بعباداته . ليس سوى ذلك فيها مكان ، ولا لغير ما يثمر الفوز والنجاة عليها مجال ، ولذلك وجب الحكم بعصمتهم ونزاهتهم وطهارتهم ، حتى قال تعالى فيهم ( ولقد اصطفيناهم على علم على العالمين ) ( 1 ) . فإذا ثبت هذا من حالهم ، كان الدعاء منهم يحتمل أمورا " : منها : تعليم أممهم ورعاياهم كيف يدعون ويسألون إذا نابتهم النوائب ونزلت بهم الشدائد ، ولا يقصدون بذلك سوى تعليمهم والبيان لهم . ومنها : الانقطاع إلى الله تعالى والخضوع له ، كما ينقطع إليه من لا يستحق العقاب بالتوبة والاستغفار ، ويخضع له بذلك ، وكالدعاء لله تعالى بأن يحكم بالحق وإن لم يكن مثله ، لمكان اليقين أنه لا يحكم إلا بالحق والقطع عليه ، كما لا يحسن المسألة له بأن يطلع الشمس ويغربها لمكان العلم بذلك والقطع
--> 1 ) سورة الدخان : 32 ، والآية ( ولقد اخترناهم ) الخ .