الخطيب الشربيني
69
مغني المحتاج
( يدخل الأقل في الأكثر ) فإن كانت دية العقل أكثر كأن أوضحه فذهب عقله دخل فيه أرش الموضحة ، وإن كان أرش الجناية أكثر كأن قطع يديه ورجليه فزال عقله دخل فيه دية العقل . تنبيه : قضية كلامه أنه لو تساويا كأن قطع يديه فزال عقله أنه لا يتأتى القول بالتداخل . وقال البلقيني : إن مقتضى نص الإمام على هذا القول التداخل أيضا ( ولو ادعى زواله ) أي العقل وأنكر الجاني ونسبه إلى التجانن اختبر في غفلانه ( فإن لم ينتظم قوله وفعله في خلواته فله دية بلا يمين ) لأن يمينه تثبت جنونه والمجنون لا يحلف . فإن قيل : يستدل بحلفه على عقله ، أجيب بأنه قد يجري انتظام ذلك منه اتفاقا وهذا في الجنون المطبق ، أما المتقطع فإنه يحلف في زمن إفاقته ، فإن انتظم قوله وفعله وحلف الجاني لاحتمال صدور المنتظم اتفاقا أو جريا على العادة ، والاختبار لا يقدر بمدة بل إلى أن يغلب على الظن صدقه أو كذبه ، ولا بد في سماع دعوى الزوال كما قال البلقيني من كون الجناية تحتمل زوال العقل وإلا لم تسمع الدعوى ويحمل على الاتفاق كحصول الموت بصعقة خفيفة . تنبيه : قول المصنف : ولو ادعى زواله الخ ينبغي أن يقرأ مبنيا لما لم يسم فاعله : أي ادعى ذلك من له ولاية الدعوى من ولي أو منصوب حاكم ، والشارح قدر بعد ادعى المجني عليه وهو ممنوع وقدره ابن الملقن أيضا ، إذ كيف يصح دعوى المجنون ، لكن الشارح قال في آخر القولة : واستشكل سماع دعواه لتضمنه لزوال عقله ، وأول بأن المراد ادعى وليه ، ومنه منصوب الحاكم اه . ولو قدر هذا أولا كان أولى ، وظاهره أن كلام المتن يقرأ مبنيا للفاعل ويقدر بما ذكر . الشئ الثاني هو ما ذكره بقوله : ( وفي السمع ) أي إزالته ( دية ) لخبر البيهقي : وفي السمع الدية ونقل ابن المنذر فيه الاجماع ، ولأنه من أشرف الحواس فكان كالبصر بل هو أشرف منه عند أكثر الفقهاء ، لأن به يدرك الفهم ويدرك من الجهات الست ، وفي النور والظلمة ، ولا يدرك بالبصر إلا من جهة المقابلة وبواسطة من ضياء أو شعاع ، وقال أكثر المتكلمين بتفضيل البصر عليه ، لأن السمع لا يدرك به إلا الأصوات ، والبصر يدرك الأجسام والألوان والهيئات ، فلما كانت تعلقاته أكثر كان أشرف . تنبيه : لا بد في وجوب الدية من تحقق زواله ، فلو قال أهل الخبرة يعود وقدروا له مدة لا يستبعد أن يعيش إليها انتظرت ، فإن استبعد ذلك أو لم يقدروا مدة أخذت الدية في الحال ، وإن قالوا : لطيفة السمع باقية في مقرها ولكن انسد منفذ السمع والسمع باق وجبت فيه حكومة إن لم يرج فتقه لا دية لبقاء السمع ، فإن رجى لم يجب شئ ( و ) في إزالته ( من أذن نصف ) من الدية لا لتعدد السمع فإنه واحد ، وإنما التعدد في منفذه بخلاف ضوء البصر ، إذ تلك اللطيفة متعددة ومحلها الحدقة ، بل لأن ضبط نقصانه بالمنفذ أقرب منه بغيره ، وهذا ما نص عليه في الام ( وقيل قسط النقص ) منه من الدية فيعتبر ما نقص من السمع بحالة الكمال على ما سيأتي ( ولو أزال أذنيه وسمعه فديتان ) لأن محل السمع غير محل القطع فلم يتداخلا كما لو أوضحه فعمي . فائدة : السمع عند الحكماء قوة أودعها الله في العصب المفروش في الصماخ ، وهو بكسر الصاد : خرق الاذن يدرك بها الصوت بطريق وصول الهواء المتكيف بكيفية الصوت إلى الصماخ ، وعند أهل السنة أن الوصول المذكور بمشيئة الله تعالى على معنى خلق الله الادراك في النفس عند ذلك الوصول . ( ولو ادعى ) المجني عليه ( زواله ) أي السمع من أذنيه وكذبه الجاني ( وانزعج للصياح في نوم وغفلة فكاذب ) لأن ذلك يدل على التصنع . تنبيه : مقتضى تعبيره بكاذب أن الجاني لا يحلف وليس مرادا ، بل لا بد من تحليفه أن سمعه لباق لاحتمال أن يكون انزعاجه اتفاقا ، ولا يختص الانزعاج بالصياح ، بل الرعد وطرح شئ له صوت من علو كذلك ، ويكرر ذلك من جهات وفي أوقات الخلوات حتى يتحقق زوال السمع بها ( وإلا ) بأن لم ينزعج بالصياح ونحوه فصادق في دعواه ،