الخطيب الشربيني
456
مغني المحتاج
قال الزركشي تفقها : إلا إن ثبت أنه أشهده فلا ينقض . واستثنى الشيخان بحثا من الاعذار ما يعم الأصل والفرع كالمطر والوحل الشديد فلا تسمع معه شهادة الفرع . قال الأسنوي أخذا من كلام ابن الرفعة : وهذا باطل ، فإن مشاركة غيره له لا تخرجه عن كونه عذرا في حقه ، فلو تجشم المشقة وحضر وأدى قبلت شهادته اه . وقد يجاب عن كلامهما بأن المراد من لا تسمع شهادة الفرع منه ، أي لا تلزمه ، فمن تجشم المشقة منهما وحضر وأدى قبلت ، فإن الشيخين لا يمنعان ذلك ، وحيث أمكن حمل العبارة على معنى صحيح ولو مع العبد كان أولى من حمله على كونه باطلا خصوصا من عظمت مرتبته في العلم . ( و ) يشترط ( أن يسمي الأصول ) وإن كانوا عدولا ، ليعرف القاضي عدالتهم ويتمكن الخصم من الجرح إن عرفه . تنبيه : شمل إطلاق المصنف ما لو كان الأصل قاضيا ، كما لو قال : أشهدني قاض من قضاء مصر أو القاضي الذي بها ولم يسمه وليس بها سواه على نفسه في مجلس حكمه . قال الأذرعي : والصواب في وقتنا وجوب تعيين القاضي أيضا لما لا يخفى . ( ولا يشترط ) في شهادة الأصول ( أن يزكيهم الفروع ) بل لهم إطلاق الشهادة والقاضي يبحث عن عدالة الأصول ، ولا يلزم الفرع أن يتعرض في شهادته لصدق أصله لأنه لا يعرف ، بخلاف ما إذا حلف المدعي مع شاهده حيث يتعرض لصدقه لأنه يعرف . ( فإن زكوهم ) وهم أهل للتعديل غير متهمين ، ( قبل ) ذلك منهم . فإن قيل : لو شهد اثنان في واقعة وزكى أحدهما الآخر فإنه لا يثبت عدالة الثاني ، فهلا كان هنا كذلك أجيب بأن تزكية الفروع للأصول من تتمة شهادتهم ، ولذلك شرط بعضهم التعرض لها ، وهناك قام الشاهد المزكي بأحدى شطري الشهادة فلا يصح قيامه بالثاني . ( ولو شهدوا ) أي الفروع ( على شهادة عدلين أو عدول ) يذكرونهم ( ولم يسموهم ، لم يجز ) أي لم يكف لأن القاضي قد يعرف جرحهم لو سموهم ، ولأنه يسد باب الجرح على الخصم . فإن قيل : كان ينبغي ذكر هذه المسألة عقب قوله : وأن يسمي الأصول . أجيب بأنه إنما أخرها ليفيد أن تزكية الفروع للأصول وإن جازت فلا بد من تعيينهم بالاسم ولو قدمه لم يكن صريحا في ذلك . تتمة : لو اجتمع أصل وفرعا أصل آخر قدم عليهما في الشهادة كما لو كان معه ماء لا يكفيه يستعمله ثم يتيمم ، قاله صاحب الاستقصاء . فصل : في رجوع الشهود عن شهادتهم : إذا ( رجعوا عن الشهادة ) أو توقفوا فيها بعد الأداء و ( قبل الحكم امتنع ) الحكم بشهادتهم وإن أعادوها ، سواء كانت في عقوبة أم في غيرها ، لأن الحاكم لا يدري أصدقوا في الأول أو في الثاني فينتفي ظن الصدق . وأيضا فإن كذبهم ثابت لا محالة إما في الشهادة أو الرجوع ، ولا يجوز الحكم بشهادة الكذاب ، ولا يفسقون برجوعهم إلا إن قالوا تعمدنا شهادة الزور فيفسقون . ولو رجعوا عن شهادتهم في زنا حدوا حد القذف وإن قالوا غلطنا لما فيه من التعبير وكان حقهم التثبت وكما لو رجعوا عنها بعد الحكم . والمراد بالرجوع التصريح به فيقول : رجعت عن شهادتي ، فلو قال : أبطلت شهادتي أو فسختها أو رددتها ، فهل يكون الحكم كذلك فيما قبله ؟ ولو قالوا للحاكم بعد شهادتهم : توقف عن الحكم ، ثم قالوا له : احكم فنحن على شهادتنا حكم ، لأنه لم يتحقق رجوعهم ولا بطلت أهليتهم . وإن شك فقد زال ولا يحتاج إلى إعادة الشهادة منهم ، لأنها صدرت من أهل جازم والتوقف الطارئ قد زال . ( أو ) رجعوا ( بعده ) أي الحكم ، ( وقيل استيفاء مال ) في شهادة به أو عقد ولو نكاحا نفذ الحكم به ، و ( استوفي ) المال ، لأن القضاء قد تم ، وليس هذا ما يسقط بالشبهة حتى يتأثر بالرجوع . وأما الفسوخ فتستمر على إمضائها . ( أو ) رجعوا بعد الحكم وقبل استيفاء ( عقوبة ) في شهادة بها ، سواء أكانت لله تعالى أم