الخطيب الشربيني

41

مغني المحتاج

في البحر : إن الأول غلط لأنها للاستيفاء فيختص بأهله ، وعلى هذا لو خرجت لقوي فعجز قبل الاستيفاء أعيدت للباقين . تنبيه : ظاهر كلامهم في المرأة تخصيصها بالعاجزة ، فلو كانت قوية جاز لها الاستيفاء ، وبه صرح القاضي . ( ولو بدر ) أي أسرع ( أحدهم ) أي المستحقين للقصاص ( فقتله ) أي الجاني قبل العفو ( فالأظهر ) أنه ( لا قصاص ) عليه ، لأن له حقا في قتله فيدفع حقه العقوبة عنه كما إذا وطئ أحد الشريكين الأمة المشتركة لا يلزمه الحد ( وللباقين ) من المستحقين ( قسط الدية ) لفوات القصاص بغير اختيارهم ( من تركته ) أي الجاني ، لأن المبادر فيما وراء حقه كالأجنبي . ولو قتله أجنبي أخذ الورثة الدية من تركة الجاني لا من الأجنبي فكذا هنا ، ولو ورث الجاني على المبادر قسط ما زاد على قدر حصته من الدية ( وفي قول من المبادر ) لأنه أتلف ما يستحقه هو وغيره فيلزمه ضمان حق غيره ، وفي قول مخرج أنهم بالخيار ، ومقابل الأظهر عليه القصاص لأنه استوفى أكثر من حقه فأشبه ما لو استحق طرفا فاستوفى نفسا ، وعلى هذا إذا اقتص منه استحق ورثته قسطه من تركة الجاني كالباقين . تنبيه : محل الخلاف ما إذا علم تحريم القتل ولم يحكم حاكم له بقصاص ولا منع ، فإن جهله أو حكم له به حاكم فلا قصاص قطعا ، أو حكم حاكم بمنعه من القصاص فعليه القصاص جزما ، وفيمن يحمل الدية إذا قتله المبادر جاهلا بالتحريم قولان : أوجههما كما قاله بعض المتأخرين أنها على العاقلة . ( وإن بادر بعد عفو غيره ) من المستحقين ( لزمه القصاص ) في الأصح ، سواء أعلم بعفو غيره أم لا لارتفاع الشبهة ، لأن حقه من القود سقط بعفو غيره . فإن قيل : الوكيل إذا اقتص جاهلا بالعزل لا قصاص عليه فهلا كان هنا كذلك ؟ . أجيب بأن الوكيل يجوز له الاقدام بغير إذن ولا يجوز لاحد الورثة الاقدام بعد خروج القرعة إلا بإذن منهم . تنبيه : بادر : لغة في بدر ( وقيل لا ) قصاص عليه ( إن لم يعلم ) بعفو غيره ( و ) لم ( يحكم قاض به ) أي بنفي القصاص عن المبادر ، وظاهر عبارته اختصاص جريان هذا الوجه بانتفاء العلم والحكم معا وليس مرادا ، بل أحدهما كاف إلا أن يحمل على أن الواو في كلامه بمعنى أو فيصح ، ويوجه عدم القصاص في نفيهما أو العلم فقط بعدم العلم ، وفي نفي الحكم بشبهة اختلاف العلماء ، فإن منهم من ذهب إلى أن لكل وارث من الورثة الانفراد باستيفاء القصاص . تنبيه : أفهم كلامه أن الخلاف وجهان مع أنه قولان كما صوبه الزركشي ، وأفهم أيضا لزوم القصاص في صورة الجهل بالعفو ، وهو الظاهر وإن لم يصرح فيها في الروضة بتصحيح ، وأفهم أيضا لزوم القصاص جزما بعد العلم بالعفو وحكم الحاكم بالسقوط ، وبه صرح في الروضة وأصلها ، وإذا اقتص منه للجاني فنصيبه لورثته في تركة الجاني ، فإن عفا عنه وارث الجاني عمل بمقتضى العفوين من وجوب المال وعدمه ( ولا يستوفي قصاص ) في نفس أو غيرها ( إلا بإذن الإمام ) فيه لخطره ، ولان وجوبه يفتقر إلى اجتهاد لاختلاف الناس في شرائط الوجوب والاستيفاء . تنبيه : المراد بالإمام هنا الأعظم أو نائبه ، وكذا القاضي كما صرح به الماوردي واقتضاه كلام الرافعي في باب أدب القضاء . فإنه ذكر أن القاضي يستفيد بولايته إقامة الحدود ، وظاهر كلام المصنف أنه لا يشترط حضور الإمام ، بل يكفي إذنه وهو كذلك ، لكن يسن حضوره أو نائبه وحضور شاهدين وأعوان السلطان وأمر المقتص منه بما عليه من صلاة يومه وبالوصية بماله وعليه ، وبالتوبة والرفق في سوقه إلى موضع الاستيفاء ، وستر عورته وشد عينيه وتركه ممدود العنق وكون السيف صارما إلا إن قتل بكال فيقتص به . ويشترط أن لا يكون السيف مسموما ، ويستثنى من اعتبار إذن الإمام صور : إحداها السيد فإنه يستوفي القصاص من رقيقه على الأصح كما اقتضاه كلام الشيخين . ثانيها إذا انفرد بحيث لا يرى كما بحثه ابن عبد السلام ، وفي معناه كما قال الزركشي ما إذا كان بمكان لا إمام فيه ، ويوافقهما قول الماوردي : أن من وجب له على شخص حد قذف أو تعزير وكان ببادية بعيدة عن السلطان له استيفاؤه إذا قدر