الخطيب الشربيني

377

مغني المحتاج

تنبيه : أشعر اقتصار المصنف على الأدلة الأربعة أنه لا يشترط معرفة الأدلة المختلف فيها ، كالاخذ بأقل ما قبل وكالاستصحاب ، وليس مرادا ، بل لا بد أيضا من معرفتها . وبأنه لا يشترط معرفة أصول الاعتقاد ، وليس مرادا أيضا ، فقد حكى في الروضة كأصلها عن الأصحاب اشتراطه . وبأنه لا يشترط فيه الكتابة ، وهو الأصح ، لأنه ( ص ) كان أميا لا يقرأ ولا يكتب . وقيل : يشترط ، وصححه الجرجاني ، وقال الزركشي : إنه المختار في هذا الزمان ، لأنه يحتاج أن يكتب لغيره ويكتب إليه ، وإذا قرئ عليه شئ ربما حرف القارئ بخلاف الذين كانوا عند النبي ( ص ) ، ولان عدم الكتابة في حقه معجزة ، وفي حق غيره منقصة . وبأنه لا يشترط فيه معرفة الحساب لتصحيح المسائل الحسابية الفقهية ، وهو كذلك كما صوبه في المطلب ، لأن الجهل به لا يوجب الخلل في غير تلك المسائل ، والإحاطة بجميع الأحكام لا تشترط . ثم اجتماع هذه العلوم إنما يشترط في المجتهد المطلق ، وهو الذي يفتي في جميع أبواب الشرع ، وأما المقيد بمذهب إمام خاص فليس عليه غير معرفة قواعد إمامه . وليراع فيها ما يراعيه المطلق في قوانين الشرع فإنه مع المجتهد كالمجتهد مع نصوص الشرع ، ولهذا ليس له أن يعدل عن نص إمامه ، كما لا يسوغ الاجتهاد مع النص . قال ابن دقيق العيد : ولا يخلو العصر عن مجتهد إلا إذا تداعى الزمان وقربت الساعة ، وأما قول الغزالي والقفال : إن العصر خلا عن المجتهد المستقل ، فالظاهر أن المراد مجتهد قائم بالقضاء فإن العلماء يرغبون عنه وهذا ظاهر لا شك فيه ، أو كيف يمكن القضاء على الاعصار بخلوها عن المجتهد والقفال نفسه كان يقول للسائل في مسألة الصبر : أتسألني عن مذهب الشافعي أم ما عندي ؟ وقال : هو والشيخ أبو علي والقاضي الحسين والأستاذ أبو إسحاق وغيرهم أسناد مقلدين للشافعي ، بل وافق رأينا رأيه . فما هذا كلام من يدعي زوال رتبة الاجتهاد . وقال : ابن الصلاح وإمام الحرمين والغزالي والشيخ أبو إسحاق الشيرازي من الأئمة المجتهدين في المذهب . فروع : يجوز أن يتبعض الاجتهاد بأن يكون العالم مجتهدا في باب دون باب ، فيكفيه علم ما يتعلق بالباب الذي يجتهد فيه . ويندب أن يكون من يتولى القضاء من قريش . ومراعاة العلم والتقى أولى من مراعاة النسب . وأن يكون ذا حلم وتثبت ولين وفطنة ويقظة وكتابة وصحة حواس وأعضاء . وأن يكون عارفا بلغة البلد الذي يقضي لأهله ، قنوعا سليما من الشحناء ، صدوقا ، وافر العقل ، ذا وقار وسكينة . وإذا عرف الإمام أهلية أحد ولاه ، وإلا بحث عن حاله كما اختبر النبي ( ص ) معاذا . ولو ولى من لا يصلح للقضاء مع وجود الصالح له والعلم بالحال أثم المولي بكسر اللام والمولى بفتحها ، ولا ينفذ قضاؤه وإن أصاب فيه . هذا هو الأصل في الباب ، ( فإن تعذر ) في رجل ( جمع هذه الشروط ) السابقة ( فولى سلطان له شوكة فاسقا ) مسلما ( أو مقلدا ، نفذ ) - بالمعجمة - ( قضاؤه للضرورة ) لئلا تتعطل مصالح الناس . تنبيه : أفهم تقييده بالفاسق - أي المسلم كما قدرته في كلامه - أنه لا ينفذ من المرأة والكافر إذا وليا بالشوكة ، واستظهره الأذرعي ، لكن صرح ابن عبد السلام بنفوذه من الصبي والمرأة دون الكافر ، وهذا هو الظاهر . ومعلوم أنه يشترط في غير الأهل طرف من الأحكام . وللعادل أن يتولى القضاء من الأمير الباغي ، فقد سئلت عائشة رضي الله عنها عن ذلك لمن استقضاه زياد ، فقالت : إن لم يقض لهم خيارهم قضى لهم شرارهم . ( ويندب للإمام إذا ولى قاضيا أن يأذن له في الاستخلاف ) ليكون أسهل له وأسرع إلى فصل الخصومات ، ويتأكد عند اتساع العمل وكثرة الرعية . ( فإن نهاه ) عن الاستخلاف ( لم يستخلف ) ويقتصر على ما يمكنه إن كانت توليته أكثر لأنه منه لم يرض بنظر غيره ، فإن استخلف لم ينفذ حكم خليفته ، فإن تراضى الخصمان بحكمه التحق بالمحكم كما في الروضة وأصلها ، وإن عين له من يستخلفه وليس بأهل لم يكن له استخلافه لفساده ولا غيره لعدم الإذن . تنبيه : لو قال : وليتك القضاء على أن تستخلف فيه ولا تنظر فيه بنفسك ، قال الماوردي : هذا تقليد اختيار