الخطيب الشربيني
80
مغني المحتاج
أجرة الحرز . ومنعه الفاروقي وابن أبي عصرون ، لأنه صار واجبا عليه فأشبه سائر الواجبات ، والمعتمد الأول كما هو ظاهر كلام الأصحاب . وقد تؤخذ الأجرة على الواجب كما في سقي اللبأ . وأركان الوديعة بمعنى الايداع أربعة : وديعة بمعنى العين المودعة ، ومودع ووديع ، وصيغة ، وقد تقدم الكلام على شرط الركن الأول وهو الوديعة . ثم شرع في شرط الركن الثاني والثالث وهما العاقدان ، فقال : ( وشرطهما شرط موكل ووكيل ) لأنها استنابة في الحفظ ، فمن صحت وكالته صح إيداعه ، ومن صح توكيله صح دفع الوديعة إليه ، فخرج استيداع محرم صيدا أو كافر مصفحا ونحوه . ثم شرع في بيان الركن الرابع وهو الصيغة ، فقال : ( ويشترط صيغة المودع ) الناطق باللفظ ، وهي إما صريح ( كاستودعتك هذا ) أو أودعتك أو هو وديعة عندك ( أو استحفظتك أو أنبتك في حفظه ) أو احفظه . وإما كناية تنعقد بها مع النية كخذه ، أو مع القرينة كخذه . أما الأخرس فتكفي إشارته المفهمة . ولو علقها كأن قال : إذا جاء رأس الشهر فقد أودعتك هذا لم يصح كالوكالة كما بحثه في أصل الروضة ، وجرى عليه ابن المقري ، وقطع الروياني بالصحة . وعلى الأول يصح الحفظ بعد وجود الشرط كما يصح التصرف في الوكالة حينئذ ، ففائدة البطلان سقوط المسمى إن كان ، والرجوع إلى أجرة المثل . تنبيه : ظاهر كلام المصنف وغيره أنه لو دخل شخص الحمام ولم يستحفظ الحمامي لم يجب عليه الحفظ ، وهو كذلك ، فلو ضاعت لم يضمنها وإن نام أو قام من مكانه ولا نائب له ، فإن استحفظه وقيل منه لزمه حفظها . وعن القاضي حسين : أنه يجب عليه حفظها مطلقا للعادة . ( والأصح أنه لا يشترط ) في الوديع ( القبول ) للوديعة ( لفظا ويكفي القبض ) لها ، كما في الوكالة بل أولى عقارا كانت أو منقولا ، فإذا قبضها تمت الوديعة . وظاهر كلام المصنف أنه لا بد في المنقول من النقل ، ولكن الذي قاله البغوي : أنه لو قال : هذا وديعتي عندك أو احفظه ، فقال : قبلت أو ضعه موضعه كان إيداعا كما لو قبضه بيده ، وصححه الرافعي في الشرح الصغير ، ونقل الأذرعي عن فتاوى القفال ما يوافقه ، وهذا هو الظاهر ، وإن قال المتولي : لا ، حتى يقبضه . والثاني : يشترط القبول لفظا . والثالث : يفرق بين صيغة الامر كما في الوكالة ، وعلى عدم اشتراط القبول يشترط عدم الرد كما قاله البغوي . قال الماوردي وغيره : ولا تفتقر الوديعة إلى علم الوديع بما فيها ، بخلاف اللقطة لما يلزمه من تعريفها . فإن لم يوجب المالك له بل وضع ماله بين يديه سواء أقال له قبل ذلك أريد أن أودعك أم لا أو أوجب له ووضعه بين يديه ورد لم يصح ، فإن ذهب وتركها لم يضمن وإن أثم به بأن كان ذهابه بعد غيبة المالك ، وإن قبضها صار ضامنا إلا إن كانت معرضة للضياع فقبضها حسبة صونا لها عن الضياع فلا يضمن . وذهاب الوديع مع ترك الوديعة والمالك حاضر كردها . تنبيه : قضية كلام الشيخين أنه لا بد من لفظ ائتمان من المودع الناطق . قال الأذرعي : ولم يبعد أن يقال الشرط وجود اللفظ من أحد الجانبين والفعل من الآخر للعلم بحصول المقصود بذلك ، فلو قال الوديع : أودعنيه مثلا ، فدفعه له ساكتا كفى كالعارية ، وعليه فالشرط اللفظ من أحدهما ، وهو حسن ، ولو قال له : خذ هذا يوما وديعة ويوما غير وديعة فوديعة أبدا ، أو : خذه يوما وديعة ويوما عارية فوديعة في اليوم الأول وعارية في اليوم الثاني ، ولم يعد بعد يوم العارية وديعة ولا عارية بل تصير يده يد ضمان . قال الزركشي : فلو عكس الأولى فقال : خذه يوما غير وديعة ويوما وديعة ، فالقياس أنها أمانة ، لأنه أخذها بإذن المالك وليست عقد وديعة ، وإن عكس الثانية فالقياس أنها في اليوم الأول عارية وفي الثاني أمانة . ( ولو أودعه صبي أو مجنون مالا لم يقبله ) لأن إيداعه كالعدم لعدم أهليته . ( فإن قبل ) المال وقبضه ( ضمن ) لعدم الإذن المعتبر كالغاصب ، ولهذا التعليل لا يقال الوديعة لا ضمان فيه فكذا فاسدها . قال السبكي : ولا يحتاج أن يقال هو باطل ، ويفرق بين الفاسد والباطل ولا يبرأ إلا بالرد إلى وليه .