الخطيب الشربيني

79

مغني المحتاج

قدر كفايته بشرط الضمان ، وإن كان أبا أو جدا أو أما بحكم الوصية لها وكان فقيرا فنفقته على الطفل ، وله أن ينفق على نفسه بالمعروف ولا يحتاج إلى إذن حاكم كما قاله ابن الصلاح . كتاب الوديعة هي فعيلة ، من ودع إذا ترك ، ومنه قوله ( ص ) : لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات والجماعات رواه مسلم : وفي النسائي دعوا الحبشة ما ودعوكم واتركوا الترك ما تركوكم وجمعها ودائع ، قال الشاعر : إذا أنت لا تبرح تؤدي أمانة وتحمل أخرى أثقلتك الودائع وهي لغة : الشئ الموضوع عند غير صاحبه للحفظ ، وشرعا : تقال على الايداع وعلى العين المودعة ، من ودع الشئ يدع إذا سكن لأنها ساكنة عند المودع ، وقيل : من قولهم : فلان في دعة ، أي راحة ، لأنها في راحة المودع ومراعاته وحفظه ، قال الشاعر : استودع العلم قرطاسا فضيعه وبئس مستودع العلم القراطيس والأصح أنها عقد ، فحقيقتها شرعا : توكيل في حفظ مملوك أو محترم مختص على وجه مخصوص ، فدخل في ذلك صحة إيداع الخمر المحترمة ، وجلد ميتة يطهر بالدباغ وزبل وكلب معلم . وخرج بمختص : ما لا اختصاص فيه كالكلب الذي لا يقتنى ، وبتوكيل العين في يد ملتقط ، وثوب طيرته ريح ونحوه ، لأنه مال ضائع مغاير لحكم الوديعة . والأصل فيها قبل الاجماع قوله تعالى : * ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) * ، فهي وإن نزلت في رد مفتاح الكعبة إلى عثمان بن طلحة فهي عامة في جميع الأمانات . قال الواحدي : أجمعوا على أن الآية نزلت بسبب مفتاح الكعبة ولم ينزل في جوف الكعبة آية سواها ، وقوله تعالى : * ( فليؤد الذي ائتمن أمانته ) * ، وخبر : أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك رواه الحاكم ، وقال : على شرط مسلم . وروى البيهقي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال وهو يخطب للناس : لا يعجبنكم من الرجل طنطنته ، ولكن من أدى الأمانة وكف عن أعراض الناس فهو الرجل . ولان بالناس حاجة بل ضرورة إليها ، ولكن ( من عجز عن حفظها حرم عليه قبولها ) لأنه يعرضها للتلف ، قال ابن الرفعة : ومحله إذا لم يعلم المالك بحاله وإلا فلا تحريم . وقال الزركشي : في ذلك نظر ، والوجه تحريمه عليهما . أما على المالك فلاضاعته ماله ، وأما على المودع فلإعانته على ذلك ممنوع ، لأن الشخص إذا علم أن غيره يأخذ ماله لينفقه أو يعطيه لغيره لا يحرم عليه ولا على الآخذ إذا علم رضاه بذلك . والايداع صحيح مع الحرمة وأثر التحريم مقصور على الآثم ، لكن لو كان المودع وكيلا أو ولي يتيم حيث يجوز له الايداع فهي مضمونة بمجرد الاخذ قطعا . ( ومن قدر ) على حفظها وهو في الحال أمين ، ( و ) لكن ( لم يثق بأمانته ) بل خاف الخيانة من نفسه في المستقبل ، ( كره ) له قبولها ، وهو المعتمد ، خشية الخيانة فيها . قال ابن الرفعة . ويظهر أن هذا إذا لم يعلم المالك الحال ، وإلا فلا تحريم ولا كراهة ، وفيه ما مر . تنبيه : جزمه بالكراهة لا يطابق كلام المحرر ، فإنه قال : لا ينبغي أن يقبل ، ومخالف لما في الروضة وأصلها من حكاية وجهين بالحرمة والكراهة بلا ترجيح . قال الأذرعي : وبالتحريم أجاب الماوردي وصاحب المهذب والروياني وغيرهم ، وهو المختار . قال : ولكن محل الوجهين فيما إذا أودع مطلق التصرف مال نفسه وإلا فيحرم قبولها منه جزما . ( فإن ) قدر على حفظها ، و ( وثق ) بأمانة نفسه فيها ( استحب ) له قبولها لأنه من التعاون المأمور به . هذا إذا لم يتعين عليه ، فإن لم يكن ثم غيره وجب عليه كأداء الشهادة لكن بالأجرة ، قال الرافعي : وهو محمول على أصل القبول كما بينه السرخسي دون إتلاف منفعته ومنفعة حرزه في الحفظ بلا عوض ، وقضيته أن له أن يأخذ أجرة الحفظ كما يأخذ