الخطيب الشربيني
329
مغني المحتاج
القول المتقدم وهو : أطلقت زوجتك ( التماسا لانشاء فقال : نعم ) أو نحوها مما يرادفها ، ( فصريح ) في الايقاع حالا ، لأن نعم ونحوه قائم مقام طلقتها المراد لذكره في السؤال ( وقيل ) هو ( كناية ) يحتاج لنية ، لأن نعم ليست معدودة من صرائح الطلاق . فإن قيل : الأول مشكل لحصرهم صرائح الطلاق في ثلاثة ، وبقولهم إن الكناية لا تصير صريحا بالتماس طلاق . أجيب بأن السؤال معاد في الجواب فكأنه قال نعم طلقتها ، ولهذا كان صريحا في الاقرار . هذا إذا اقتصر على نعم ، فإن قال : نعم طلقت فهو صريح قطعا ، وإن اقتصر على طلقت فقيل هو كناية ، لأن نعم تتعين للجواب ، وقوله طلقت مستقل بنفسه ، فكأنه قال ابتداء طلقت ، واقتصر عليه وهو لو قال ذلك ابتداء لم يقع عليه شئ ، وقيل كنعم ، والأول أوجه كما قاله شيخنا . تنبيه : لو جهل حال السؤال فالظاهر أنه استخبار كما قاله الزركشي . فروع : لو قال شخص لآخر : فعلت كذا فأنكر ، فقال : إن كنت فعلت كذا فامرأتك طالق ، فقال : نعم وكان قد فعله لم يقع الطلاق كما في فتاوى القاضي ، وجعله البغوي استدعاء طلاق فيكون كما لو قيل له طلقت امرأتك مستدعيا منه طلاقها فقال نعم ، والأول أوجه . ولو قيل له : إن جاء زيد فامرأتك طالق ، فقال : نعم لم يكن تعليقا . ولو قيل له : ألك زوجة ؟ فقال : لا ، لم تطلق وإن نوى لأنه كذب محض : وهذا ما نقله في أصل الروضة عن نص الاملاء ، وقطع به كثير من الأصحاب . ثم ذكر تفقها ما حاصله أنه كناية على الأصح ، وبه صرح المصنف في تصحيحه ، وأن لها تحليفه أنه لم يرد طلاقها ، وعليه جرى الأصفوني والحجازي في اختصارهما كلام الروضة ، والأول أوجه كما جرى عليه ابن المقري في روضه . ولو قيل له : أطلقت ثلاثا ؟ فقال : قد كان بعض ذلك ، فليس إقرارا بالطلاق لاحتمال جريان تعليق أو وعد أو مخاصمة تؤول إليه ، فلو فسر بشئ من ذلك قبل . ولو قال لزوجته : ما أنت لي بشئ كان لغوا لا يقع به طلاق وإن نوى . ولو قال : امرأتي طلقها زوجها ولم تتزوج غيره طلقت . فصل : في أنواع من التعليق : إذا ( علق ) طلاق زوجته ( بأكل رغيف أو رمانة ) عين كلا منهما أم لا ، ك إن أكلت هذا الرغيف أو هذه الرمانة أو رغيفا أو رمانة فأنت طالق ( فبقي ) من ذلك بعد أكلها له ( لبابة ) من الرغيف تقع موقعا كما قاله الإمام ، ( أو حبة ) من الرمانة ، ( لم يقع ) طلاق ، لأنه يصدق أنها لم تأكل الرغيف أو الرمانة وإن تسامح أهل العرف في إطلاق أكل الرغيف أو الرمانة في ذلك . أما اللبابة التي لا تقع موقعا كفتات الخبز الذي يدق مدركه لا يظهر له أثر في بر ولا حنث ، ولهذا عبر في المحرر بكسرة ، ومثل ذلك يأتي في الرمانة فيما إذ بقي بعض حبة وفي التمرة المعلق بأكلها إذا بقي قمعها أو شئ مما جرت العادة بتركه . فروع : لو قال لها : إن أكلت أكثر من رغيف فأنت طالق حنث بأكلها رغيفا وأدما ، أو قال : إن أكلت اليوم إلا رغيفا فأنت طالق فأكلت رغيفا وفاكهة حنث . ولو قال لها : إن لبست قميصين فأنت طالق طلقت بلبسهما ولو متواليين . ولو قال لها نصف الليل مثلا : إن بت عندك فأنت طالق فبات عندها بقية الليل حنث للقرينة ، وإن اقتضى المبيت أكثر الليل ، ولو قال لها : إن نمت على ثوب لك فأنت طالق فتوسد مخدتها مثلا لم يحنث كما لو وضع عليها يديه أو رجليه . ولو قال لها : إن قتلت زيدا غدا فأنت طالق فضربه اليوم ومات عنه غدا لم يحنث ، لأن القتل هو الفعل المفوت للروح ولم يوجد . ولو قال لها : إن كان عندك نار فأنت طالق حنث بوجود السراج عندها . ولو قال لها : إن جعت يوما في بيتي فأنت طالق فجاعت يوما بصوم لم تطلق ، بخلاف ما لو جاعت يوما بلا صوم فإنها تطلق . ولو قال لها : إن لم يكن وجهك أحسن من القمر فأنت طالق لم تطلق وإن كانت زنجية ، لقوله تعالى : * ( لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم ) * ، نعم إن أراد بالحسن الجمال وكانت قبيحة الشكل حنث كما قاله الأذرعي . ولو قال لها : إن قصدتك بالجماع فأنت طالق فقصدته هي فجامعها لم يحنث ، فإن قال لها : إن قصدت جماعك فأنت طالق فقصدته فجامعها حنث .