الخطيب الشربيني

5

مغني المحتاج

كلام الشيخين هنا ، لكن ذكرا في التوكيل في النكاح أنه لو قال وكيل الزوج أولا : قبلت نكاح فلانة منك لفلان فقال وكيل الولي : زوجتها فلانا جاز ، وقياسه أنه لو قال : قبلت بيع هذا منك بكذا لموكلي أو لنفسي ، فقال : بعتك أنه يصح ، وهو ظاهر لأن النكاح يحتاط فيه ما لا يحتاط في البيع . ( ولو قال ) شخص لآخر بصيغة الامر : ( بعني ) كذا بكذا ( فقال بعتك انعقد ) البيع ( في الأظهر ) لدلالة بعني على الرضا ، والثاني : لا ينعقد إلا إذا قال المشتري بعد ذلك اشتريت أو قبلت لأنه قد يقول بعني لاستبانة الرغبة ، ولو قال : اشتر مني فقال : اشتريت ، فكما قال بعني فقال بعتك ، قاله البغوي وصححه في المجموع وإن لم يفهمه عبارة المصنف . ولو قال : اشتريت هذا منك بكذا فقال : بعتك انعقد إجماعا كما نقله الأذرعي عن شرح الوجيز لابن يونس ، فلو لم يأت بلفظ الامر بأن أتى بلفظ الماضي أو المضارع كقوله : بعتني أو تبيعني ، فقال : بعتك لم ينعقد البيع حتى يقبل بعد ذلك ، قال الأسنوي : والمتجه أن يلحق بصيغة الامر ما دل عليه كاسم الفاعل والمضارع المقرون بلام الامر ، ولا يضر اختلاف اللفظ من الجانبين ، فلو قال : اشتريت منك كذا بكذا فقال البائع : ملكتك ، أو قال له البائع : ملكتك فقال : اشتريت صح لحصول المقصود بذلك . ويصح البيع بفعلت في جواب بعني وكذا ب‍ نعم في جواب بعت واشتريت كما مرت الإشارة إليه . ثم ما ذكره المصنف صريح واستغنى عن التصريح به بقوله : ( وينعقد ) أي البيع ( بالكناية ) وهي ما تحتمل البيع وغيره مع النية ، ( كجعلته لك ) أو خذه أو تسلمه أو سلطتك عليه ، ( بكذا ) ناويا البيع فينعقد بذلك ( في الأصح ) ففي الأصح راجع إلى الانعقاد بالكناية كما تقرر لا إلى كون جعلته من الكنايات فهذا لا خلاف فيه ، فلو قال وينعقد بالكناية في الأصح كجعلته لك بكذا كما في المحرر لكان أحسن ، والثاني : لا ينعقد بالكناية لأن المخاطب لا يدري أخوطب ببيع أم غيره . وأجيب بأن ذكر العوض ظاهر في إرادة البيع ، ومن الكناية باعكه الله بكذا كأقالك الله بكذا أو رده الله عليك في الإقالة بخلاف أبرأك الله فإنه صريح ك‍ طلقك الله ، وضابط ذلك أن ما استقل به الشخص وحده كالبراءة كان صريحا ومالا كالبيع فكناية ، وليس من كناية البيع أبحتك إياه بكذا ، قال في المجموع : لأنه صريح في الإباحة مجانا فلا يكون كناية في غيرها ، وهذا هو المعتمد وإن نظر فيه بعضهم . واستثنى في المطلب صحة طلاق السكران بالكناية ، قال بعض المتأخرين : وقياسه منع صحة بيعه وشرائه بها أه‍ . والظاهر الصحة في الموضعين ، وينعقد بالكناية منع النية سائر العقود وإن لم يقبل التعليق ، فإن توفرت القرائن على إرادة البيع قال الامام : وجب القطع بصحته ، والنكاح وبيع الوكيل المشروط فيه الاشهاد لا ينعقدان بها لأن الشهود لا يطلعون على النية ، نعم إن توفرت القرائن عليه في الثانية ، قال الغزالي : فالظاهر انعقاده ، وأقره عليه في الروضة ، وهو المعتمد خلافا لما جرى عليه صاحب الأنوار من عدم الصحة ، والفرق بينه وبين النكاح أن النكاح يحتاط له أكثر . وصورة الشرط أن يقول : بع هذا على أن تشهد ، فإن قال : بع واشهد لم يكن الاشهاد شرطا ، صرح بذلك المرعشي ، واقتضاه كلام غيره . والكتابة بالبيع ونحوه على نحو لوح أو ورق أو أرض كناية في ذلك فينعقد بها مع النية بخلاف الكتابة على المائع ونحوه كالهواء فإنه لا يكون كناية لأنها لا تثبت . ويشترط القبول من المكتوب إليه حال الاطلاع ليقترن بالايجاب بقدر الامكان ، فإذا قبل فله الخيار ما دام في مجلس قبوله . ويثبت الخيار للكاتب ممتدا إلى أن ينقطع خيار صاحبه ، حتى لو علم أنه رجع عن الايجاب قبل مفارقة المكتوب إليه في مجلسه صح رجوعه ولم ينعقد البيع ، أي لم يستمر ، وإن كتب بذلك لحاضر صح أيضا في أحد وجهين رجحه الزركشي كالسبكي وهو المعتمد . ولو باع من غائب كأن قال : بعت داري لفلان وهو غائب فقبل حين بلغه الخبر صح كما لو كاتبه بل أولى . فرع : يصح البيع ونحوه من المعاملات بالعجمية مع القدرة على العربية قطعا ، وفي النكاح خلاف التعبد ، والأصح فيه الصحة . ( ويشترط أن لا يطول الفصل ) بين الايجاب والقبول ولو بكتابة أو إشارة أخرس . وقوله : ( بين لفظيهما ) مثال ، ولو عبر بما قدرته كان أولى ، فإن طال ضر لأن طول الفصل يخرج الثاني عن أن يكون جوابا عن