الخطيب الشربيني
379
مغني المحتاج
وقاله ابن الأستاذ غير الصورة المختلف فيها ، لأن تلك في إجارة استأجرها الوقف قبل الواقف ، ولزمت الأجرة ذمته ، وما قالاه في أجرة المثل إذا بقي الموقوف بها . والذي ينبغي أن يقال في الصورة الأولى أنه إن شرط أن يوفي منه ما مضى من الأجرة فالبطلان أو المستقبل فالصحة ، وكذا إن أطلق ويحمل على المستقبل . فإن قيل : الأجرة لازمة لذمته على كل حال قبل الوقف . أجيب بأنها إنما تستقر شيئا فشيئا بحسب ما يمضي من الزمان . تنبيه : قوله : لهما أي للبناء والغراس . ثم شرع في الركن الثالث وهو على قسمين : معين وغيره ، وقد بدأ بالقسم الأول فقال ، ( فإن وقف على معين ) من ( واحد ) أو اثنين ( أو جمع اشترط إمكان تمليكه ) في حال الوقف عليه بوجوده في الخارج ، فلا يصح الوقف على ولده وهو لا ولد له ، ولا على فقير أولاده ولا فقير فيهم ، فإن كان فيهم فقير وغني صح ، ويعطي منه أيضا من افتقر بعد كما قاله البغوي ، وبكونه أهلا لتملك الموقوف . ( فلا يصح ) الوقف ( على جنين ) لعدم صحة تملكه ، وسواء أكان مقصودا أم تابعا ، حتى لو كان له أولاد وله جنين عند الوقف لم يدخل ، نعم إن انفصل دخل معهم إلا أن يكون الواقف قد سمى الموجودين أو ذكر عددهم فلا يدخل كما قاله الأذرعي . تنبيه : قد علم مما ذكر أن الوقف على الميت لا يصح لأنه لا يملك به صرح الجرجاني ، ولا على أحد هذين الشخصين لعدم تعيين الموقوف عليه . ( ولا ) يصح ( على العبد نفسه ) أي نفس العبد ، سواء أكان له أم لغيره ، لأنه ليس أهلا للملك . ( فلو أطلق الوقف عليه ) فإن كان له لم يصح لأنه يقع للواقف ، وإن كان لغيره ( فهو وقف على سيده ) كما في الهبة والوصية والمدبر وأم الولد والمعلق عتقه بصفة حكمهم كذلك . وأما المكاتب فإن كان مكاتب نفسه لم يصح الوقف عليه كما جزم به الماوردي وغيره نظير ما في إعطاء الزكاة له ، أو مكاتب غيره صح كما جزم به الماوردي أيضا وجرى عليه ابن المقري لأنه يملك . فإن عجز بان أن الوقف منقطع الابتداء لأنه يسترجع منه ما أخذه ، وإن عتق وقد قيد الوقف بمدة الكتابة بان أنه منقطع الانتهاء فيبطل استحقاقه وينتقل الوقف إلى من بعده ، فإن أطلقه دام استحقاقه ، وفي معنى التقييد ما لو عبر بمكاتب فلان . وأما الوقف على المبعض فالظاهر كما قال شيخنا أنه إن كان مهايأة وصدر الوقف عليه يوم نوبته فكالحر ، أو يوم نوبة سيده فكالعبد ، وإن لم تكن مهايأة وزع على الرق والحرية ، وعلى هذا يحمل إطلاق ابن خير أن صحة الوقف عليه . ولو أراد مالك المبعض أن يقف نصفه الرقيق على نصفه الحر فالظاهر كما قال السبكي الصحة ، كما لو أوصى به لنصفه الحر . ويصح الوقف على الأرقاء الموقوفين لخدمة الكعبة ونحوها كقبره ( ص ) وبيت المقدس ، كالوقوف على علف الدواب المرصدة في سبيل الله . ولا يصح الوقف على الدار وإن قال علي عمارتها لأنها لا تملك ، إلا إن قال : وقفت هذا على هذه الدار لطارقها ، لأن الموقوف عليه حقيقة طارقوها وهم يملكون . وإلا إن كانت موقوفة ، لأن حفظ عمارتها قربة ، فهو كالوقف على مسجد أو رباط . ( ولو أطلق الوقف على بهيمة ) مملوكة أو قيده بعلفها ، ( لغا ) الوقف عليها لأنها ليست أهلا للملك بحال ، كما لا تصح الهبة لها ولا الوصية . ( وقيل ) : هو في المعنى ( وقف على مالكها ) فيصح كالوقف على العبد . وفرق الأول بما مر ، بخلاف العبد فإنه أهل له بتمليك سيده في قول ، فإن قصد مالكها فهو وقف عليه . وخرج بالمملوكة الموقوفة ، كالخيل الموقوفة في الثغور ونحوها فيصح الوقف على علفها كما مرت الإشارة إليه ، وأما المباحة كالوحوش والطيور المباحة فلا يصح الوقف عليها جزما . نعم يستثنى من ذلك كما قال الغزالي حمام مكة فيصح الوقف عليه . ( ويصح ) الوقف من مسلم أو ذمي ( على ذمي ) معين كصدقة التطوع وهي جائزة عليه ، ولكن يشترط في صحة الوقف عليه أن لا يظهر فيه قصد معصية ، فلو قال : وقفت على خادم الكنيسة لم يصح كما لو وقف على حصرها كما قاله في الشامل وغيره ، وأن يكون ممن يمكن تمليكه فيمتنع وقف المصحف وكتب العلم والعبد المسلم عليه والجماعة المعينون كالواحد ، وسيأتي الكلام في الوقف على أهل الذمة