الخطيب الشربيني
380
مغني المحتاج
أو اليهود أو نحو ذلك . قال الأذرعي : ويشبه أن يكون المعاهد والمستأمن كالذمي إن حل بدارنا ما دام فيها ، فإذا رجع صرف إلى من بعده . وقال الزركشي ، مقتضى كلامهم أنه كالحربي ، وجزم به الدميري ، والأول أوجه . ولم يتعرضوا لما لو لحق الذمي الموقوف عليه بدار الحرب ماذا يفعل بغلة الموقوف عليه ، وينبغي أن تصرف إلى من بعده أخذا من كلام الأذرعي المتقدم . و ( لا ) يصح الوقف على ( مرتد وحربي و ) لا وقف الشخص على ( نفسه في الأصح ) المنصوص في الثلاثة ، أما في الأولى والثانية فلأنهما لا دوام لهما مع كفرهما ، والوقف صدقة جارية ، فكما لا يوقف ما لا دوام له لا يوقف على من لا دوام له ، أي مع كفره ، فلا يرد الزاني المحصن فإنه يصح الوقف عليه مع أنه مقتول . والثاني : يصح عليهما كالذمي . ونص المصنف في كتب التنبيه على الخلاف بقوله : وقفت على زيد الحربي أو المرتد كما يشير إليه كلام الكتاب . أما إذا وقف على الحربيين أو المرتدين فلا يصح قطعا . وأما الثالثة فلتعذر تمليك الانسان ملكه لنفسه لأنه حاصل ، وتحصيل الحاصل محال . والثاني : يصح ، لأن استحقاق الشئ وقفا غير استحقاقه ملكا . ومثل وقفه على نفسه ما لو وقف على الفقراء وشرط أن يأخذ معهم من ريع الوقف لفساد الشرط . وقول عثمان رضي الله تعالى عنه في وقفه بئر رومة : دلوي فيها كدلاء المسلمين ليس على سبيل الشرط ، بل إخبار بأن للواقف أن ينتفع بوقفه العام كالصلاة بمسجد وقفه . ولو وقف على نفسه وحكم به حاكم نفذ حكمه ولم ينقض لأنها مسألة اجتهادية . ويستثنى من عدم صحة الوقف على النفس مسائل ، منها ما لو وقف على العلماء ونحوهم كالفقراء واتصف بصفتهم ، أو على الفقراء ثم افتقر ، أو على المسلمين كأن وقف كتابا للقراءة ونحوها أو قدرا للطبخ فيه أو كيزانا للشرب بها ونحو ذلك فله الانتفاع معهم لأنه لم يقصد نفسه . ومنها ما لو وقف على أولاد أبيه الموصوفين بكذا وذكر صفات نفسه فإنه يصح كما قاله القاضي الفارقي وابن يونس وغيرهما ، واعتمده ابن الرفعة وإن خالف فيه الماوردي ومنها ما لو شرط النظر لنفسه بأجرة المثل ، لأن استحقاقه لها من جهة العمل لا من جهة الوقف ، فينبغي أن لا تستثنى هذه الصورة ، فإن شرط النظر بأكثر منها لم يصح الوقف لأنه وقف على نفسه . ومنها أن يؤجر ملكه مدة يظن أن لا يعيش فوقها منجمة ثم يقفه بعد على ما يريد ، فإنه يصح الوقف ويتصرف هو في الأجرة كما أفتى به ابن الصلاح وغيره ، والأحوط أن يستأجره بعد الوقف من المستأجر لينفرد باليد ويأمن خطر الدين على المستأجر . ومنها أن يرفعه إلى حاكم يرى صحته كما عليه العمل الآن ، فإنه لا ينقض حكمه كما مر ، ولو وقف وقفا ليحتج عنه منه جاز كما قاله الماوردي ، وليس هذا وقفا على نفسه لأنه لا يملك شيئا من غلته ، فإن ارتد لم يجز صرفه في الحج وصرف إلى الفقراء ، فإن عاد إلى الاسلام أعيد الوقف إلى الحج عنه ، ولو وقف على الجهاد عنه جاز أيضا ، فإن ارتد فالوقف على حاله لأن الجهاد يصح من المرتد بخلاف الحج . ثم شرع في القسم الثاني ، فقال : ( وإن وقف ) مسلم أو ذمي ( على جهة معصية ، كعمارة الكنائس ) ونحوها من متعبدات الكفار للتعبد فيها أو حصرها أو قناديلها أو خدامها أو كتب التوراة والإنجيل أو السلاح لقطاع الطريق ، ( فباطل ) لأنه إعانة على معصية ، والوقف شرع للتقرب فهما متضادان ، وسواء فيه إنشاء الكنائس وترميمها منعنا الترميم أو لم نمنعه . ولا يعتبر تقييد ابن الرفعة عدم صحة الوقف على الترميم بمنعه ، فقد قال السبكي : أنه وهم فاحش لاتفاقهم على أن الوقف على الكنائس باطل وإن كانت قديمة قبل البعثة ، فإذا لم نصحح الوقف عليها ولا على قناديلها وحصرها فكيف نصححه على ترميمها وإذا قلنا ببطلان وقف الذمي على الكنائس ، ولم يترافعوا إلينا لم نتعرض لهم حيث لا يمنعون من الاظهار ، فإن ترافعوا إلينا أبطلناه وإن أنفذه حاكمهم لا ما وقفوه قبل المبعث على كنائسهم القديمة فلا نبطله بل نقره حيث نقرها . أما عمارة كنائس غير التعبد ككنائس نزول المارة فيصح الوقف عليها كما قاله الزركشي وابن الرفعة وغيرهما كالوصية كما سيأتي . ( أو ) وقف على ( جهة قربة ) أي يظهر قصد القربة فيها ، لقرينة قوله بعد : أو جهة لا تظهر فيها القربة وإلا فالوقف كله قربة . ( كالفقراء والعلماء ) والقراء والمجاهدين ( والمساجد )