الخطيب الشربيني
25
مغني المحتاج
كان الأولى للمصنف تقديم النقد على الطعام موافقة للحديث . أجيب بأن الكلام في الطعام أكثر فقدم لذلك ، ولا يقال إن تقدم ما للكلام فيه أقل أولى لأن هذا بحسب المقاصد . وعلة الربا في الذهب والفضة جنسية الأثمان غالبا كما صححه في المجموع ، ويعبر عنها أيضا بجوهرية الأثمان غالبا ، وهي منتفية عن الفلوس وغيرها من سائر العروض لا أنها قيم الأشياء كما جرى عليه صاحب التنبيه ، لأن الأواني والتبر والحلي تجري فيها الربا كما مر وليست مما يقوم بها . واحترز ب غالبا عن الفلوس إذا راجت فإنه لا ربا فيها كما تقدم ، ولا أثر لقيمة الصنعة في ذلك ، حتى لو اشترى بدنانير ذهبا مصوغا قيمته أضعاف الدنانير اختبرت المماثلة ولا نظر إلى القيمة . تنبيه : بيع النقد من جنسه وغيره يسمى صرفا ، ويصح على معينين بالاجماع ك بعتك أو صارفتك هذا الدينار بهذه الدراهم ، وعلى موصوفين على المشهور : كقوله : بعتك أو صارفتك دينارا صفته كذا في ذمتي بعشرين درهما من الضرب الفلاني في ذمتك ، ولو أطلق فقال : صارفتك على دينار بعشرين درهما وكان هناك نقد واحد لا يختلف أو نقود مختلفة إلا أن أحدهما أغلب صح ونزل الاطلاق عليه ، ثم يعينان ويتقابضان قبل التفرق . ويصح أيضا على معين بموصوف ك بعتك هذا الدينار بعشرة دراهم في ذمتك ، ولا يصح على دينين ك بعتك الدينار الذي في ذمتك بالعشرة التي لك في ذمتي لأن ذلك بيع دين بدين . والحيلة في تمليك الربوي بجنسه متفاضلا كبيع ذهب بذهب متفاضلا أن يبيعه من صاحبه بدراهم أو عرض ويشتري منه بها أو به الذهب بعد التقابض ، فيجوز وإن لم يتفرقا ولم يتخايرا لتضمن البيع الثاني إجازة الأول بخلافه مع الأجنبي ، أو يقرض كل صاحبه ويبرئه أو يتواهبا الفاضل لصاحبه ، وهذا جائز إذا لم يشترط في بيعه وإقراضه وهبته ما يفعله صاحبه وإن كره قصده . ( ولو باع جزافا ) بكسر الجيم ، طعاما أو نقدا بجنسه ( تخمينا ) أي حزرا للتساوي ، ( لم يصح ) البيع ( وإن خرجا سواء ) للنهي عن بيع الصبرة من التمر لا يعلم مكيلها بالكيل المسمى من التمر ، رواه مسلم ، وقيس النقد على المطعوم ، وللجهل بالمماثلة عند البيع ، وهذا معنى قول الأصحاب : الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة . ويؤخذ البطلان عند عدم التخمين بطريق الأولى . ولو علما تماثل الصبرتين جاز البيع كما قال القاضي ، ولا حاجة حينئذ إلى كيل . ولو علم أحدهما مقدارهما وأخبر الآخر به فصدقه فكما لو علما ، قاله الروياني . ولو باع صبرة بر بأخرى كيلا بكيل أو صبرة نحو دراهم بأخرى وزنا بوزن صح إن تساويا لحصول المماثلة وإلا فلا ، لأنه قابل الجملة بالجملة وهما متفاوتتان . ويصح بيع صبرة بكيلها فيما يكال أو وزنها فيما يوزن من صبرة أكبر منها لحصول المماثلة . ولو تفرقا في هذه وفي التي قبلها فيما إذا صح البيع بعد قبض الجملتين وقبل الكيل أو الوزن ، جاز لحصول التقابض في المجلس ، وما فضل من الكبيرة بعد الكيل أو الوزن لصاحبها ، فالمعتبر في القبض هنا ما ينقل الضمان فقط لا ما يفيد التصرف أيضا لما سيأتي أن قبض ما بيع مقدرا إنما يكون بالتقدير . ولو باع صبرة بر بصبرة شعير جزافا جاز لعدم اشتراط المماثلة ، فإن باعها بها مكايلة فإن خرجتا سواء صح وإن تفاضلتا وسمح رب المال بإعطائه الزائد أو رضي رب الناقص بقدره من الزائد أقر البيع وإن تشاحا فسخ ، وتقدم ما في هذه مع جوابه الكلام على بيع الصبرة بمائة درهم كل صاع بدرهم . ( وتعتبر المماثلة ) للربوي حال الكمال ، فيعتبر في الثمار والحبوب ( وقت الجفاف ) وتنقيتها شرط للمماثلة لا للكمال ، لأنه ( ص ) سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال : أينقص الرطب إذا يبس ؟ فقالوا : نعم ، فنهى عن ذلك ، صححه الترمذي وغيره . أشار ( ص ) بقوله : أينقص إلى أن المماثلة إنما تعتبر عند الجفاف ، وإلا فالنقصان أوضح من أن يسأل عنه . ويعتبر أيضا إبقاؤه على هيئة يتأتى ادخاره عليها كالتمر بنواه ، لأنه إذا نزع بطل كماله لتسارع الفساد إليه ، بخلاف الخوخ والمشمش ونحوهما فإن كماله لا يبطل بنزع نواه فإن الغالب في تجفيفها - أي في بعض البلاد - نزع نواه ، كما أن اللحم المقدد لا يبطل كماله بنزع العظم منه . واختلف المتأخرون في فهم قوله : ( وقد يعتبر الكمال أولا ) فإنه من مشكلات الكتاب ، فقال الشارح : وذلك في مسألة العرايا الآتية في باب بيع الأصول والثمار اه . وهذا أحد احتمالين للأسنوي وقال : إنه الأصح في الحمل ، والاحتمال الثاني : أنه أراد إدخال العصير والخل من الرطب والعنب فإنه