الخطيب الشربيني
238
مغني المحتاج
كتاب الاقرار هو لغة الاثبات ، من قولهم : قر الشئ يقر قرارا إذا ثبت ، وشرعا : إخبار عن حق ثابت على المخبر ، فإن كان بحق له على غيره فدعوى ، أو لغيره على غيره فشهادة : هذا إذا كان خاصا ، فإن اقتضى شيئا عاما فإن كان عن أمر محسوس فهو الرواية ، وإن كان عن حكم شرعي فهو الفتوى . ويسمى الاقرار اعترافا أيضا . والأصل فيه قبل الاجماع قوله تعالى : * ( أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري ) * أي عهدي * ( قالوا أقررنا ) * ، وقوله تعالى : * ( كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم ) * ، قال المفسرون : شهادة المرء على نفسه هو الاقرار . وخبر الصحيحين : اغديا أنيس إلى امرأة هذا ، فإن اعترفت فارجمها . والقياس ، لأنا إذا قبلنا الشهادة على الاقرار فلان نقبل الاقرار أولى . وأجمعت الأمة على المؤاخذة به . وأركانه أربعة : مقر ومقر له وصيغة ومقر به ، وقد بدأ المصنف منها بالأول فقال : ( ويصح من مطلق التصرف ) وهو المكلف الذي لا حجر عليه ، ويعتبر فيه أيضا الاختيار ، وأن لا يكذبه الحس ولا الشرع كما سيأتي . ( و ) على هذا ( إقرار الصبي والمجنون ) والمغمى عليه ، ومن زال عقله بعذر كشرب دواء وإكراه على شرب خمر ، ( لاغ ) لامتناع تصرفهم . وسيأتي حكم السكران إن شاء الله تعالى في كتاب الطلاق . تنبيه : الأصل أن من قدر على الانشاء قدر على الاقرار ، ومن لا فلا . واستثني من الأول إقرار الوكيل بالتصرف إذا أنكره الموكل فلا ينفذ وإن أمكنه إنشاؤه ، ومن الثاني إقرار المرأة بالنكاح ، والمجهول بحريته أو رقه وبنسبه ، والمفلس ببيع الأعيان ، والأعمى بالبيع ونحوه ، والوارث بدين على مورثه ، والمريض بأن كان وهب وارثه وأقبضه في الصحة ، فكل من هؤلاء يصح إقرارهم بما ذكر ولا يمكنهم إنشاؤه . قال ابن عبد السلام : قولهم من ملك الانشاء ملك الاقرار هو في الظاهر ، وأما في الباطن فبالعكس ، أي لأنه إذا ملكه باطنا فهو ملكه ، فليس له أن يقر به لغيره . ( فإن ادعى ) الصبي أو الصبية ( البلوغ بالاحتلام ) أو ادعته الصبية بالحيض ( مع الامكان ) له بأن كان في سن يحتمل البلوغ ، وقد مر بيان زمن الامكان في بابي الحيض والحجر ، ( صدق ) في ذلك لأنه لا يعرف إلا من جهته ، والمراد بالاحتلام الانزال في يقظة أو منام . ( ولا يحلف ) عليه ، وإن فرض ذلك في خصومة وادعى خصمه صباه ليفسد معاملته ، لأنه إن كان صادقا فلا حاجة إلى اليمين ، وإلا فلا فائدة فيها لأن يمين الصبي غير منعقدة . ولو طلب غاز سهمه من المقاتلة وادعى البلوغ بالاحتلام وجب تحليفه إن اتهم وأخذ السهم . فإن لم يحلف لم يعط شيئا . فإن قيل : هذه الصورة تشكل على ما قبلها . أجيب بأن الكلام فيما مر في وجود البلوغ في الحال ، وفي هذه في وجوده فيما مضى لأن صورتها أن تنازع الصبي بعد انقضاء الحرب في بلوغه حال الحرب . لكن يشكل على هذا ما لو طلب إثبات اسمه في الديوان فإنه يحلف ، والأولى في الجواب كما أفاده شيخي أن يقال : إن لم يرده مزاحمة غيره في حقه كطلب السهم وإن لم يثبت له استحقاقا كطلب إثبات اسمه في الديوان لم يحلف وإلا حلف . وإذا لم يحلف فبلغ مبلغا يقطع فيه ببلوغه ، قال الإمام : فالظاهر أيضا أنه لا يحلف على أنه كان بالغا حينئذ ، لأنا إذا حكمنا بموجب قوله ، فقد أنهينا الخصومة نهايتها . وأقره الرافعي في الشرح الكبير ، وجزم به في الشرح الصغير من غير عزو . ( وإن ادعاه بالسن ) بأن قال : استكملت خمس عشرة سنة ، ( طولب ببينة ) عليه وإن كان غريبا لامكانها . ولو أطلق الاقرار بالبلوغ ولم يعين نوعا ففي تصديقه وجهان في فتاوى القاضي : أوجههما كما اختاره الأذرعي الاستفسار ، أي أمكن وإلا فالقبول ، وكذا إذا أطلقت البينة ، فإن قالت بالسن فلا بد من بيان قدره لأن البلوغ به مختلف فيه ، نبه عليه شيخي . ولو أقر الرشيد بإتلافه مالا في صغره قبل كما لو قامت به