الخطيب الشربيني

211

مغني المحتاج

في غيبة الأصيل وكذبه ) لأن الأصيل عدم الأداء وهو مقصر بعدم الاشهاد . ( وكذا إن صدقه في الأصح ) لأنه لم ينتفع بأدائه لأن المطالبة باقية . والثاني : يرجع لاعترافه بأنه أبرأ ذمته بإذنه . ومحل الخلاف إذا لم يأمره الأصيل بالاشهاد أو بتركه ، فإن أمره به لم يرجع جزما ، أو بتركه رجع جزما كما قاله الدارمي . ولو لم يشهد ثم أدى ثانيا وأشهد هل يرجع بالأول لأنه المبرئ للذمة أو بالثاني لأنه المسقط للضمان ؟ فيه وجهان تظهر فائدتهما فيما لو كان أحدهما صحاحا والآخر مكسرا مثلا ، قال في الروضة : ينبغي أن يرجع بأقلهما ، فإن كان الأول فهو بزعمه مظلوم بالثاني ، وإن كان الثاني فهو المبرئ لكونه أشهد به ، والأصل براءة ذمة الأصيل من الزائد . ( فإن صدقه المضمون له ) وكذبه المضمون عنه ولا بينة ، ( أو أدى بحضرة الأصيل ) مع تكذيب المضمون له ، ( رجع على المذهب ) أي الراجح من الوجهين في المسألتين لسقوط الطلب في الأول وعلم الأصيل بالأداء في الثانية . والثاني : في الأولى يقول تصديق رب الدين ليس حجة على الأصيل وتصديق ورثة رب الدين المطلقين التصرف كتصديقه . وهل تصديق الامام حيث يكون لبيت المال كتصديق الوارث الخاص أو تصديق غرماء من مات مفلسا كتصديق رب الدين ؟ قال الأذرعي : لم أر فيه شيئا وهو موضع تأمل اه‍ . والظاهر كما قاله بعض المتأخرين عدم الالحاق لأن المال لغيره ، وفي الثانية يقول لم ينتفع الأصيل بالأداء لترك الاشهاد . وأجيب بأنه المقصود بترك الاشهاد ، وهذا ظاهر إذا لم يشرط عليه الاشهاد ، فإن شرطه عليه فيظهر أنه لا يرجع لعدم توفيته بالشرط . ويقاس بما ذكر في الضامن المؤدي في الأحوال المذكورة . خاتمة : لو قال : أشهدت بالأداء شهودا وماتوا أو غابوا أو طرأ فسقهم فكذبه الأصيل في الاشهاد ، فالقول قول الأصيل بيمينه ، لأن الأصل عدم براءة ذمته وعدم الاشهاد ، وإن كذبه الشهود فكما لم لو يشهد . فإن قيل : لو أقرت امرأة بنكاح بحضرة شاهدين فكذباها لا يقدح في إقرارها فهلا كان هنا كذلك أجيب بأنها ثم لو أقرت بحق عليها فلم يلغ بإنكارهما ، وهذا هنا يريد أن يثبت له حقا . ولو قال الشهود : لا ندري وربما نسينا ، لا رجوع كما رجحه الامام وجعله أولى بذلك من دعواه موت الشاهد . ولو باع من اثنين شيئا وشرط أن يكون كل منهما ضامنا للآخر بطل البيع ، قال السبكي : ورأيت ابن الرفعة في حسبته يمنع أهل سوق الرقيق من البيع مسلما ، ومعناه إلزام المشتري بما يلحق البائع من الدلالة وغيرها ، قال : ولعله أخذه من هذه المسألة ولا يختص ذلك بالرقيق . وهذا إن كان مجهولا فإن كان معلوما فلا ، وكأنه جعله جزءا من الثمن ، بخلاف مسألة ضمان أحد المشتريين للآخر لا يمكن فيها ذلك . قال الأذرعي : لكنه هنا شرط عليه أمرا آخر ، وهو أن يدفع كذا إلى جهة كذا فينبغي أن يكون مبطلا مطلقا اه‍ . وهذا هو الظاهر . كتاب الشركة بكسر الشين وسكون الراء ، وحكي فتح الشين وسكون الراء وكسرها ، وشرك بلا هاء . قال تعالى : * ( وما لهم فيهما من شرك ) * أي نصيب . وهي لغة : الاختلاط ، وشرعا : ثبوت الحق في شئ لاثنين فأكثر على جهة الشيوع . والأصل فيها قبل الاجماع قوله تعالى : * ( واعلموا إنما غنمتم من شئ ) * الآية ، وخبر السائب بن زيد كان شريك النبي ( ص ) قبل المبعث وافتخر بشركته بعد المبعث ، وخبر : يقول الله تعالى أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه ، فإذا خانه خرجت من بينهما رواه أبو داود والحاكم وصحح إسنادهما . والمعنى : أنا معهما بالحفظ والإعانة ، فأمدهما بالمعونة في أموالهما ، وأنزل البركة في تجارتهما ، فإذا وقعت بينهما الخيانة رفعت البركة والإعانة عنهما ، وهو معنى خرجت من بينهما . ومقصود الباب شركة تحدث بالاختيار بقصد التصرف وتحصيل الربح ، وليست عقدا مستقلا