الخطيب الشربيني

212

مغني المحتاج

بل هي في الحقيقة وكالة وتوكيل كما يؤخذ مما سيأتي . ( هي ) أي الشركة من حيث هي ( أنواع ) أربعة : الأول : ( شركة الأبدان كشركة الحمالين وسائر المحترفة ) كالخياطين والنجارين والدلالين . ( ليكون بينهما كسبهما ) بحرفتيهما ، ( متساويا ومتفاوتا مع اتفاق الصنعة ) كنجار ونجار . ( أو اختلافها ) كخياط ونجار . ( و ) الثاني : ( شركة المفاوضة ) بفتح الواو ، بأن يشتركا ( ليكون بينهما كسبهما ) قال الشيخ في التنبيه : بأموالهما وأبدانهما . ( وعليهما ما يعرض ) بكسر الراء ، ( من غرم ) سواء أكان بغصب أم بإتلاف أم ببيع فاسد . وسميت مفاوضة من تفاوضا في الحديث : شرعا فيه جميعا . وقيل : من قولهم قوم فوضى بفتح الفاء : أي مستوون . ( و ) الثالث : ( شركة الوجوه بأن يشترك الوجيهان ) عند الناس ( ليبتاع كل منهما بمؤجل ) ويكون المبتاع ( لهما ، فإذا باعا كان الفاضل عن الأثمان ) المبتاع بها ( بينهما ) أو أن يتفق وجيه وخامل على أن يشتري الوجيه في الذمة ويبيع الخامل ويكون الربح بينهما ، أو على أن يعمل الوجيه والمال للخامل وهو في يده والربح بينهما . قال في أصل الروضة : ويقرب منه ما ذكره الغزالي أن يدفع خامل مالا إلى وجيه ليبيعه بزيادة ويكون له بعض الربح . وأشهر هذه التفاسير الثلاثة الأول . ( وهذه الأنواع ) الثلاثة ( باطلة ) . أما الأول ، وهي شركة الأبدان ، فلعدم المال فيها ولما فيها من الغرر ، إذ لا يدري أن صاحبه يكسب أم لا ، ولان كل واحد منهما متميز ببدنه ومنافعه فيختص بفوائده ، كما لو اشتركا في ماشيتهما وهي متميزة ، ويكون الدر والنسل بينهما ، وقياسا على الاحتطاب والاصطياد . وأما الثاني وهي شركة المفاوضة فلاشتمالها على أنواع من الغرر ، ولهذا قال الشافعي رضي الله تعالى عنه : إن لم تكن شركة المفاوضة باطلة فلا باطل أعرفه في الدنيا . أشار إلى كثرة الغرر والجهالات فيها . نعم إن أراد كل منهما بلفظ المفاوضة شركة العنان ، كأن قالا : تفاوضنا أو اشتركنا شركة عنان جاز بناء على صحة العقود بالكنايات . وأما الثالث وهي شركة الوجوه ، فلعدم المال المشترك فيها الذي يرجع إليه عند انفساخ العقد ثم ما يشتريه أحدهما في التصوير الأول ، والثاني : ملكه له ربحه وعليه خسرانه ، وفي التصوير الثالث قراض فاسد لاستبداد المالك باليد . نعم إن وكل أحدهما الآخر أن يشتري عينا ، وقصد المشتري الشراء لهما ، فإنهما يصيران شريكين في العين المأذون فيها ، ولو حصل شئ في النوعين الأولين من اكتساب المشتركين له منفردين أو مجتمعين فإنه يقسم على أجرة المثل لا بحسب الشرط كما صرح به في أصل الروضة في الأول ، واقتضاه كلامه في الثاني . ( وشركة العنان صحيحة ) بالاجماع ، وهي أن يشتركا في مال لهما ليتجرا فيه على ما سيأتي بيانه . العنان بكسر العين من عن الشئ ظهر ، إما لأنها أظهر الأنواع ، أو لأنه ظهر لكل من الشريكين مال الآخر ، أو من عنان الدابة ، قال السبكي : وهو المشهور . وإما لاستواء الشريكين في ولاية الصرف والفسخ واستحقاق الربح بقدر المالين كاستواء طرفي العنان ، أو لمنع كل منهما الآخر التصرف كما شاء كمنع العنان الدابة ، أو لمنع الشريك نفسه من التصرف في المشترك وهو يطلق التصرف في سائر أمواله كمنع الآخذ لعنان الدابة إحدى يديه من استعمالها كيف شاء ويده الأخرى مطلقة يستعملها كيف شاء . وقيل : من عن الشئ عرض ، لأن كلا منهما قد عرض له أن يشارك الآخر . وقيل : بفتح العين من عنان السماء : أي سحابه ، لأنها علت كالسحاب بصحتها وشهرتها ، ولهذا اتفقوا على صحتها كما مر . ونقل الأسنوي عن القاضي عياض أنها بالفتح أيضا من عن إذا ظهر . وأركانها ثلاثة : صيغة وعاقدان ومال ، وزاد بعضهم رابعا وهو العمل . وبدأ المصنف منها بالصيغة معبرا عنها بالشرط كما تقدم مثل ذلك في البيع فقال : ( ويشترط فيها ) أي شركة العنان صيغة ، وهي ( لفظ