ابن حزم
229
المحلى
كما كانوا في صلاتهم إلى الكعبة واجتزؤا بما صلوا إلى بيت المقدس من تلك الصلاة بعينها * قلنا : هذا خبر صحيح ، ولا حجة فيه علينا ، ولا نخالفه ولله الحمد * أول ذلك : أنه ليس فيه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم ذلك فأقره ، ولا حجة الا في القرآن أو في كلامه عليه السلام أو في عمله أو فيما علم عليه السلام من عمل غيره فلم ينكره * وإنما العجب من المالكيين الذين يعظمون خلاف الصاحب إذا وافق تقليدهم ، ثم قد خالفوا ههنا عمل طائفة عظيمة من الصحابة رضي الله عنهم لا يعرف لهم منهم مخالف ! * قال على : أهل قباء رضي الله عنهم كان الفرض عليهم أن يصلوا إلى بيت المقدس ، فلو أنهم صلوا إلى الكعبة لبطلت صلاتهم بلا خلاف ، ولا تلزم الشريعة إلا من بلغته ، لا من لم تبلغه ، قال الله تعالى : ( لأنذركم به ومن بلغ ) ولا شك عند أحد من الجن والإنس ولا الملائكة أن من كان من المسلمين بأرض الحبشة أو بمكة من المستضعفين فإنهم تمادوا على الصلاة إلى بيت المقدس مدة طويلة ، أما أهل مكة فأياما كثيرة بعد نزول تحويل القبلة ، وأما من بالحبشة فلعلهم صلوا عاما أو أعواما حتى بلغهم تحويل القبلة ، فحينئذ لزمهم الفرض ، لا قبل ذلك ، فإنما لزم أهل قباء التحول حين بلغهم لا قبل ذلك فانتقلوا عن فرضهم إلى فرض ناسخ لما كانوا عليه ، وهذا هو الحق الذي لا يحل لاحد غيره * وأما من بلغه فرض تحويل الكعبة وعلمه وكان مخاطبا به ولم يسقط تكليفه عنه لعذر مانع : فلم يصل كما أمر ، ومن لم يصل كما أمر فلم يصل ، لأنه لا يجزئ ما نهى الله عنه عما أمر الله تعالى به * وقال أبو حنيفة : من صلى في غير مكة إلى غير القبلة مجتهدا ولم يعلم إلا