قطب الدين الراوندي
98
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
أول ( 1 ) قبل الأشياء بلا أولية ( 2 ) وآخر بعد الأشياء بلا نهاية ، عظم عن أن تثبت ربوبيته بإحاطة قلب أو بصر ، فإذا عرفت ذلك فافعل كما ينبغي لمثلك أن يفعله في صغر خطره وقلة مقدرته وكثرة عجزه وعظيم حاجته إلى ربه في طلب طاعته والرهبة من عقوبته والشفقة من سخطه ، فإنه لم يأمرك إلا بحسن ولم ينهك إلا عن قبيح . يا بنى إني قد أنبأتك عن الدنيا وحالها وزوالها وانتقالها ، وأنبأنك عن الآخرة وما أعد لأهلها فيها ، وضربت لك فيهما الأمثال لتعتبر بها وتحذو عليها . انما مثل من خير الدنيا كمثل قوم سفر نبابهم منزل جديب فأموا منزلا خصيبا ( 3 ) وجنايا مريعا ، فاحتملوا وعثاء الطريق وفراق الصديق وخشونة السفر وجشوبة المطعم ليأتوا سعة دارهم ومنزل قرارهم ، فليس يجدون لشيء من ذلك ألما ، ولا يرون نفقة مغرما ، ولا شيء أحب إليهم مما قربهم من منزلهم وأدناهم من محلهم ( 4 ) . ومثل من اغتر بها كمثل قوم كانوا بمنزل خصيب ، فنبأ بهم إلى منزل جديب فليس شيء أكره إليهم ولا أفظع ( 5 ) عندهم من مفارقة ما كانوا فيه إلى ما يهجمون عليه ويصيرون إليه . يا بنى اجعل نفسك ميزانا فيما بينك وبين غيرك ، فأحبب لغيرك ما تحب
--> ( 1 ) في ب ، نا : « أولا » . و : « آخرا » . ( 2 ) في الف : بلا أولوية . ( 3 ) في ب : خصيصا . ( 4 ) في نا ، ب ، يد : إلى محلهم . ( 5 ) في م ، الف : ولا أقطع .