قطب الدين الراوندي
47
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
وروي : أن معاوية كان يطلب من أمير المؤمنين عليه السلام لما عاد الأمر إليه أن يدفع إليه الشام حتى يبايعه ، وأبى عليه السلام أن يفعل ذلك ، وقال عبد اللَّه بن العباس : اعطه ذلك ثم أعزله بعد أن بايع فإنه يخون في أمر فتعزله بسبب ذلك ، وان كان الرأي الدنياوي كان هذا عند أهل الدنيا ألا أن عليا عليه السلام كان أعلم بالمصالح الدينية والدنياوية ، وقال : كنت أدفعه أمس من ذلك الأمر فلا أعطيه اليوم وان فعلت ذلك سائت ظنون الناس . وكان معاوية كتب إلى علي عليه السلام هذه الأشياء الأربعة : أولها طلبه الشام ثمنا للبيعة ، وثانيها زعم أن قريشا تفانوا وأنا مشفق على جميعهم فكن أنت مشفقا عليهم بأن تترك الحرب جانبا . فقال عليه السلام في جوابه : إن من قتل وكانت لك شفقة عليه فهو كان كافرا ولا أشفق على الكفار فمردهم إلى النار ، وأما من يقتل من المؤمنين في الجهاد فهو يصير شهيدا وله الدرجات بذلك في الجنة فلا موضع للشفقة . وثالثها : قال معاوية أن أهل الشام معه وان كان أهل الكوفة مع علي فهما عند المحاربة سواء . فأجاب عليه السلام إني متيقن في الدين وثبات قدمي فيه على يقين ، وأنا اعلم إذا حاربتك كان ذلك رضاء اللَّه وأنت شاك في ذلك ، وحرص الشاميين على دنياهم لا يزيد على حرص الكوفيين الذين هم أهل العراق على دينهم لحفظه وصلاحهم ، وهم يقرؤن ما خاطبهم اللَّه به فإنهم « يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ الله ما لا يَرْجُونَ » ( 1 ) . ورابعها : افتخر معاوية بأن هاشما وعبد شمس من شجرة واحدة ، فبين عليه السلام الفرق بينهما ، فالرطب والشوك كلاهما يكون من شجرة واحدة مع تباينهما ، وعد آباءه الطاهرين وعد كل خبيث من آباء معاوية ، فدفع عليه السلام
--> ( 1 ) سورة النساء : 104 .