قطب الدين الراوندي

197

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

ولا تدفعن صلحا دعاك إليه عدوك للَّه فيه رضى ، فان الصلح دعة لجنودك وراحة من همومك وأمنا لبلادك ، ولكن ( 1 ) الحذر كل الحذر من عدوك بعد صلحه فان العدو ربما قارب ليتغفل ، فخذ بالحزم واتهم في ذلك حسن الظن ، فان عقدت بينك وبين عدو لك عقدة أو ألبسته منك ذمة ، فحط عهدك بالوفاء وارع ذمتك بالأمانة . واجعل نفسك جنة دون ما أعطيت ، فإنه ليس من فرائض اللَّه شيء عليه أشد اجتماعا مع تفريق أهوائهم وتشتيت آرائهم من تعظيم الوفاء بالعهود ، وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين لما استوبلوا من عواقب الغدر ، فلا تعذرن بذمتك ، ولا تخيسن بعهدك ، ولا تختلن عدوك ، فإنه لا يجترىء على اللَّه إلا جاهل شقي ، وقد جعل اللَّه عهده وذمته أمنا أفضاه بين العباد برحمته وحريما يسكنون إلى منعته ويستفيضون إلى جواره ، فلا ادغال ولا مدالسة ولا خداع فيه . ولا تعقد عقدا تجوز فيه العلل ، ولا تعولن على لحن قول بعد التأكيد والتوثقة ، ولا يدعونك ضيق أمر لزمك فيه عهد اللَّه إلى طلب انفساخه بغير الحق ، فان صبرك على ضيق أمر ترجو انفراجه وفضل عاقبة خير من غدر تخاف تبعته وان تحيط بك فيه من اللَّه طلبته لا تستقيل فيها دنياك ولا آخرتك . إياك والدماء وسفكها بغير حلها ، فإنه ليس شيء أدعى لنقمته ، ولا أعظم لتبعة ، ولا أحرى بزوال نعمة ، وانقطاع مدة ، من سفك الدماء بغير حقها . واللَّه سبحانه مبتدئ بالحكم بين العباد فيما تسافكوا ( 2 ) من الدماء يوم القيامة ،

--> ( 1 ) في هامش ب : وليكن . ( 2 ) في م : فيما تسافكون .