قطب الدين الراوندي

443

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

في الدنيا بعمارة ما فارقوه ، وضيعوا الآخرة وتركوها خرابا يبابا ( 1 ) ومرجعهم إليها ، فإذا ماتوا وخرجوا من دار التكليف لا يمكنهم الانتقال من جزاء قبيح ومن توبة منه ( 2 ) ، ولا يقدرون على أن يزيدوا فعلا حسنا لأنفسهم ، فليس بعد الموت مستعتب . أنسوا بالدنيا : أي فرحوا بها واستأنسوا بنعيمها فصاروا مغرورين . و « الايمان » في أصل اللغة هو التصديق ، وفي عرف الشرع كذلك ألا أنه مخصص ، وهو التصديق بالقلب لأركان الدين ، ويقال لمن يظهر الايمان من نفسه ولم يكن مصدقا بالحقيقة انه مؤمن مجازا ، قال اللَّه تعالى « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً » ( 3 ) يعني المنافقين الذين أظهروا الايمان بموسى عليه السلام ثم ارتدوا بعبادة العجل وغيرها ، ثم أظهروا الايمان بعيسى عليه السلام ثم ارتدوا ، ثم ازدادوا كفرا بمحمد عليه السلام وماتوا على كفرهم ، فإنه تعالى يخذلهم ، فلو كانت بواطنهم كظواهرهم في الايمان لما كفروا فيما بعد . وكل لفظ يستعمل في حقيقة يجوز المجاز فيه على الاطلاق ، ولذلك قال عليه السلام أيضا : من الايمان ما يكون ثابتا في القلوب وهو الحقيقة ، ومنه ما يكون عارية فهو مجاز ، وهو أن يعتقدوا ذلك تقليدا أو تبخيتا . والرجاء والطمع والأمل هو الظن لنفع مستقبل أو لدفع ضرر كذلك . والساعة : قدر من الأوقات ، كما يقال : الليل والنهار أربع وعشرون ساعة .

--> ( 1 ) أرض يباب أي خراب ، واليباب عند العرب : الذي ليس فيه أحد . ( 2 ) في د : منكم . ( 3 ) سورة النساء : 137 .