قطب الدين الراوندي

437

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

( ومن خطبة له عليه السلام ) أحمده شكرا لأنعامه ، وأستعينه على وظائف حقوقه ، عزيز الجند ، عظيم المجد . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، دعا إلى طاعته ، وقاهر أعداءه جهادا عن دينه ، لا يثنيه عن ذلك اجتماع على تكذيبه ، والتماس لاطفاء نوره . فاعتصموا بتقوى اللَّه ، فان لها حبلا وثيقا عروته ، ومعقلا منيعا ذروته ، وبادروا الموت في ( 1 ) غمراته ، وامهدوا له قبل حلوله ، وأعدوا له قبل نزوله ، فان الغاية القيامة ، وكفى بذلك واعظا لمن عقل ، ومعتبرا لمن جهل ، وقبل بلوغ الغاية ما تعلمون من ضيق الأرماس ، وشدة الابلاس ، وهول المطلع ، وروعات الفزع ، واختلاف الأضلاع ، واستكاك الاسماع ، وظلمة اللحد ، وخيفة الوعد ، وغم الضريح ، وردم الصفيح . فاللَّه اللَّه ، عباد اللَّه ، فان الدنيا ماضية بكم على سنن ، وأنتم والساعة في قرن ، وكأنها قد جاءت بأشراطها ، وأزفت بافراطها ( 2 ) ، ووقفت بكم على صراطها . وكأنها قد أشرفت بزلازلها ، وأناخت بكلا كلها ، وانصرفت ( 3 ) الدنيا بأهلها ، وأخرجتهم من حضنها . فكانت كيوم مضى ، وشهر انقضى ، وصار جديدها رثا ، وسمينها غثا ، في موقف ضنك المقام ، وأمور مشتبهة عظام ، ونار شديد كلبها ، عال لجبها ، ساطع لهبها ، متغيظ ( 4 ) زفيرها ، متأجج سعيرها ، بعيد خمودها .

--> ( 1 ) في يد ، ب : وغمراته . ( 2 ) في م : بأطرافها . ( 3 ) في نا ، ب : وانصرمت . ( 4 ) في م : « متغيض » . وفي ب « متغيط » .