قطب الدين الراوندي
426
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
من التهافت والانفراج . أرسى أوتادها ، وضرب أسدادها ، واسنفاض عيونها وخد ( 1 ) أوديتها ، فلم يهن ما بناه ، ولا ضعف ما قواه . هو الظاهر عليها بسلطانه وعظمته ، وهو الباطن لها بعلمه ومعرفته ، والعالي على كل شيء منها بجلاله وعزته ، ولا يعجزه شيء منها طلبه ، ولا يمتنع عليه فيغلبه ، ولا يفوته السريع منها فيسبقه ، ولا يحتاج إلى ذي مال فيرزقه . خضعت له الأشياء وذلت مستكينة لعظمته ، لا تستطيع الهرب من سلطانه إلى غيره ، فتمتنع من نفعه وضره ، ولا كفؤ له فيكافيه ، ولا نظير له فيساويه . هو المغني لها بعد وجودها حتى يصير موجودها كمفقودها . وليس فناء الدنيا بعد ابتداعها بأعجب من انشائها واختراعها ، وكيف ولو اجتمع جميع حيوانها من طيرها وبهائمها ، وما كان من مراحها وسائمها ، وأصناف اسناخها ( 2 ) وأجناسها ، ومتبلدة أممها وأكياسها ، على احداث بعوضة ما قدرت ( 3 ) على خلقها ، ولا عرفت كيف السبيل إلى ايجادها ، ولتحيرت عقولها في علم ذلك ، وتاهت وعجزت قواها وتناهت ، ورجعت خاسئة حسيرة عارفة بأنها مقهورة ، ومقرة بالعجز عن انشائها ، مذعنة بالضعف عن إفنائها . وأنه سبحانه يعود بعد فناء الدنيا وحده لا شيء معه ، كما كان قبل ابتدائها كذلك يكون بعد فنائها ، بلا وقت ولا مكان ، ولا حين ولا زمان . عدمت عند ذلك الآجال والأوقات ، وزالت السنون والساعات ، فلا شيء إلا الواحد القهار الذي إليه مصير جميع الأمور . بلا قدرة منها كان ابتداء خلقها ، أو بغير امتناع منها كان
--> ( 1 ) في بعض النسخ : وحد . ( 2 ) في ب وهامش نا : أشباحها . ( 3 ) في م : « ما قدروا » ، « ما عرفوا » .