قطب الدين الراوندي

425

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

لم يلد فيكون مولودا ، ولم يولد فيصير محدودا . جل عن اتخاذ الأبناء ، وطهر عن ملامسة النساء . لا تناله الأوهام فتقدره ، ولا تتوهمه الفطن فتصوره ، ولا تدركه الحواس فتحسه ، ولا تلمسه إلا يدي فتسمه ، لا يتغير بحال ولا يتبدل في الأحوال ، ولا تبليه الليالي والأيام ، ولا يغيره الضياء والظلام . ولا يوصف بشئ من الاجزاء ، ولا بالجوارح والأعضاء ، ولا بعرض من الاعراض ، ولا بالغيرية والأبعاض . ولا يقال : له حد ولا نهاية ولا انقطاع ولا غاية ، ولا أن الأشياء تحويه فتقله أو تهويه أو أن شيئا يحمله فيميله ، أو يعدله . ليس في الأشياء بوالج ، ولا عنها بخارج . يخبر لا بلسان ( 1 ) ولهوات ، ويسمع لا بخروق وأدوات ، يقول ولا يلفظ ، ويحفظ ولا يتحفظ ، ويريد ولا يضمر . يحب ويرضى من غير رقة ، ويبغض ويغضب من غير مشقة ، يقول ( 2 ) لما أراد كونه كن فيكون ، لا بصوت يقرع ولا نداء يسمع ، وانما كلامه سبحانه فعل منه ، أنشأه ومثله ، لم يكن من قبل ذلك كائنا ، ولو كان قديما لكان إلها ثانيا . لا يقال كان بعد أن لم يكن فتجري عليه الصفات المحدثات ، ولا يكون بينها وبينه فصل ، ولا له عليها فضل ، فيستوي الصانع والمصنوع ، ويتكافأ المبتدع والبديع . خلق الخلائق على غير مثال خلا من غيره ، ولم يستعن على خلقها بأحد من خلقه ، وأنشأ الأرض فأمسكها من غير اشتغال ، وأرساها على غير قرار ، وأقامها بغير قوائم ، ورفعها بغير دعائم ، وحصنها من الأود والاعوجاج ، ومنعها

--> ( 1 ) في بعض النسخ : بلا لسان . ( 2 ) في يد : لمن .