قطب الدين الراوندي

364

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

وشهودا لا يحضرون ، وانما كانوا جميعا فتشتتوا وإلا فافترقوا . وما عن طول عهدهم ولا بعد محلهم عميت أخبارهم وصمت ديارهم ، ولكنهم سقوا كأسا بدلتهم بالنطق خرسا ، وبالسمع صمما ، وبالحركات سكونا ( 1 ) ، فكأنهم في ارتجال الصفة صرعى سبات . جيران لا يتأنسون ، وأحباء لا يتزاورون ، بليت بينهم عرى التعارف ، وانقطعت منهم أسباب الإخاء ، فكلهم وحيد ، وهم جميع ، وبجانب الهجر وهم أخلاء . لا يتعارفون لليل صباحا ، ولا لنهار مساء ، أي الجديدين ظعنوا فيه كان عليهم سرمدا ، شاهدوا من أخطار دارهم أفظع مما خافوا ، ورأوا من آياتها أعظم مما قدروا ، فكلا الغايتين مدت لهم إلى مباءة فأتت مبالغ الخوف والرجاء . فلو كانوا ينطقون بها لعيوا بصفة ما شاهدوا وما عاينوا ، ولئن عميت آثارهم وانقطعت أخبارهم لقد رجعت فيهم أبصار العبر ، وسمعت عنهم آذان العقول ، وتكلموا من غير جهات النطق ، فقالوا كلحت الوجوه النواضر ، وخوت الأجساد ( 2 ) النواعم ، ولبسنا أهدام البلى ، وتكأدنا ضيق المضجع ، وتوارثنا الوحشة ، وتهكمت علينا الربوع الصموت ، فانمحت محاسن أجسادنا ، وتنكرت معارف صورنا ، وطالت في مساكن الوحشة إقامتنا ، ولم نجد من كرب فرحا ، ولا من ضيق متسعا . فلو مثلتهم بعقلك ، أو كشف عنهم محجوب الغطاء لك ، وقد ارتسخت أسماعهم بالهوام فاستكت ، واكتحلت ( 3 ) أبصارهم بالتراب فخسفت ، وتقطعت الألسنة

--> ( 1 ) في ب : سكوتا . ( 2 ) في يد : « الأجسام » . ( 3 ) في ب : وارتحلت - مكان - واكتحلت .