قطب الدين الراوندي
365
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
في أفواههم بعد ذلاقتها ، وهمدت القلوب في صدورهم بعد يقظتها ، وعاث في كل جارحة منهم جديد بلى سمجها ( 1 ) ، وسهل طرق الآفة إليها مستسلمات ، فلا أيد تدفع ، ولا قلوب تجزع ، لرأيت أشجان قلوب ، وأقذاء عيون ، لهم في كل فظاعة صفة حال لا تنتقل وغمرة لا تنجلي . فكم أكلت الأرض من عزيز جسد ، وأنيق لون ، كان في الدنيا غذي ترف ، وربيب شرف ، يتعلل بالسرور في ساعة حزنه ، ويفزع إلى السلوة ان مصيبة نزلت به ، ضنا بغضارة عيشه ، وشحاحة ( 2 ) بلهوه ولعبه . فبينا هو يضحك إلى الدنيا وتضحك إليه في ظل عيش غفول ، إذ وطئ الدهر به حسكه ، ونقضت الأيام قواه ، ونظرت إليه الحتوف من كثب ، فخالطه بث لا يعرفه ، ونجي هم ما كان يجده ، وتولدت ( 3 ) فيه فترات علل آنس ما كان بصحته ، ففزع ما كان عوده الأطباء من تسكين الحار بالقار وتحريك البارد بالحار ، فلم يطفئ ببارد إلا ثور حرارة ، ولا حرك بحار إلا هيج برودة ، ولا اعتدل بممازج لتلك الطبائع إلا أمد منها كل ذات داء ، حتى فتر معلله وذهل ممرضه ، وتعايا أهله بصفة دائه ، وخرسوا عن جواب السائلين عنه ، وتنازعوا دونه شجي خبر يكتمونه ، فقائل : هو لما به وممن لهم إياب عافيته ، ومصبر لهم على فقده يذكرهم أسى الماضين من قبله . فبينا هو كذلك على جناح من فراق الدنيا وترك الأحبة ، إذ عرض له عارض من غصصه فتحيرت نوافذ فطنته ( 4 ) ، ويبست رطوبة لسانه .
--> ( 1 ) في ب : « سمحها » بالحاء المهملة . ( 2 ) في ب : شجاعة - مكان - شحاحة . ( 3 ) في نا : تولد . ( 4 ) في نا ، ب : فطنه .